التقرير الأولي، في قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، والذي رفعه المحقق الدولي ميليس إلى الأمم المتحدة منذ ثلاثة أيام، أحدث ما يشبه الطوفان من الردود والأصداء، التي لا تزال تتفاعل حتى اللحظة. بل هي مرشحة لتبقى معنا وحتى إشعار آخر.
علماً بأنه جاء خالياً من الصدمات والهزّات، فما كشف عنه كان في حدود المتوقع أو الشائع. كل ما في الأمر أنه سلّط بعض الأضواء وأبرز بعض الأسماء، في إطار الظن والاشتباه، وليس الاتهام. مع ذلك حظي بضجّة كبيرة، وطغت سيرته على ما عداه من اهتمامات. ذلك أنه مهد الأرضية لتداعيات مفتوحة على احتمالات واتجاهات متعددة ومحفوفة بالمخاطر.
أو على الأقل بالتأزيم. وقد بدأت ملامحها تظهر على السطح، ولو بصورة غير مباشرة. أبرزها كان التضارب في الموقفين اللبناني والسوري الرسميين من التقرير. الأول أبدى ترحيبه وثقته بالتحقيق الدولي، واعتبر أن ما بلغه هو »الخطوة الأولى على الطريق لكشف الحقيقة« في ملف الاغتيال. فيما هاجمت دمشق التقرير، ووجهت إليه انتقادات حادة، على أرضية أنه »يفتقر للمهنية والصدقية والجدية«، مع اتهام ميليس »بالخداع والكذب«.
من زمان لم يحصل مثل هذا التضارب في الموقف، بين بيروت ودمشق. لكن للظروف أحكامها. طبعاً الخلفية معروفة. وبالتالي التباين مفهوم. والدفاع عنه مشروع. لكن طالما بقي في الحدود التي لا تسمح له بأن يتحول إلى تباعد أو تنابز، حتى لا نقول إلى توتر، بين العاصمتين، ولن يلقى ذلك ترجمته على الأرض إلا إذا تحصّن الطرفان الشقيقان بالكوابح، عبر مراعاة المصالح المشروع المتبادلة.
فعلى بيروت أن تتذكر دوماً أن سوريا مستهدفة، ومنذ فترة، كما على سوريا ألا تغفل عن أن اللبنانيين يريدون »الحقيقة« في ملف اغتيال الحريري. فإذا حكمت العلاقة مثل هذه المعادلة عندئذٍ تبقى الأمور منضبطة، بحيث لا تخرج عن سياقها وتنعكس بالتالي على العلاقات بينهما. وذلك يخدم البلدين.
فالأيام والأسابيع المقبلة صعبة. كل المؤشرات تقول إنها ستكون مشحونة بالكثير من عوامل التوتر. وبالتالي فإن المطلوب ليس أقل ممَّا يشبه الاستنفار لكل عناصر الحيطة والحذر.
وبما يكفل ضبط الخلاف في الموقف وحصره عن حدوده المقبولة. فالجو مكهرب، وواشنطن مندفعة في التصعيد وصبّ الزيت على النار. وحبّذا لو يصار إلى استدراك عربي مبكر ـــ حتى لا يقال جاء متأخراً كما حصل مع العراق ـــ لاستباق أي تدهور محتمل، نرجو ألا يقع. وإلا وقع الضرر على الجميع.