يكاد لا يختلف اثنان على ان منطقتنا تعاني بما فيه الكفاية من الحرائق والخراب والاحباط واليأس وسوء الفهم من قبل عواصم القرار الدولي وهي في غير حاجة الى مزيد من التوتر والعنف والارتباك ما يستدعي من الاطراف المنخرطة في الازمة الجديدة التي تبلورت على نحو حاد بعد نشر تقرير المحقق الدولي في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري والتي تشكلت لجنته بموجب قرار مجلس الامن رقم 1559 برئاسة القاضي الالماني ديتليف ميليس باعتبارها جريمة ارهابية، ان تتوخى الحيطة والحذر في مقاربتها لكشف خيوط هذه الجريمة ومعاقبة من ارتكبها تخطيطا وتسهيلا وتوجيها وتواطؤا وتنفيذا ايا كان موقعه وايا كانت صفته ولأي جنسية انتمى.

من هنا فإن المطلوب الان ان يجهد الجميع لابعاد اي صفة لتسييس المسألة والانكباب على الجانب الجنائي والقضائي منها وبما يفرض في الان نفسه ان تعلن الدول والجهات ذات العلاقة استعدادها للتعاون مع اللجنة الدولية الخاصة برئاسة ميليس وان توفر من الاسباب والوسائل والتسهيلات ما يسرع في معرفة الحقيقة وبما يعنيه هذا من أبعاد شبح العقوبات والحصارات التي يمكن ان يترجمها اي قرار جديد لمجلس الامن يصدر استنادا الى المادة السابعة منه.

وهو قرار إذا ما اتخذ سيكون خطيرا ليس فقط لأنه يجيز العقوبات الاقتصادية المدمرة وذات الاثر الخطير على اقتصاد اية دولة مهما كانت مصادرها وثرواتها، بل وايضا لان يفتح الباب على خيار استخدام القوة العسكرية ما يعيد الى الاذهان سيناريو الازمة العراقية التي تعيش الان حالا كارثية بعد ان فقد الجميع البوصلة وارتفعت طبول الحرب فيما تراجع على نحو مؤسف منطق الدبلوماسية والمقاربات السياسية وثقافة الحوار ووقع «الجميع» في فخ المواجهة والعنف الذي لن يخرج احد منه منتصرا فيما كان الخاسر الاكبر هو الشعب العراقي.

حسنا فعلت دمشق عندما أعلنت استعدادها للتعاون مع اللجنة الدولية هذا الاستعداد الذي يجب ان يترجم الى خطوات عملية لا تسمح باستغلاله لصالح قوى التصعيد واصحاب خيار المواجهة، ما يفسح في المجال لكشف الحقيقة في وقت اسرع وبخاصة ان سوريا ما تزال تعلن انها بريئة من جريمة الاغتيال ما يعني ان الفرصة متاحة لاثبات هذا الموقف وليس من وسيلة الى ذلك سوى وضع كل الملفات في العلن والتعامل مع ميليس ولجنته بشفافية.

ونحسب انها الطريقة الاقصر والاسلم والاسهل لتخطي الالغام والافخاخ والقراءات الخاطئة التي تصر بعض الاطراف على وضعها في المشهد الاقليمي الجديد بعد الضجة الهائلة التي احدثها تقرير لجنة التحقيق الدولية.

آن الاوان لان يدرك اصحاب العلاقة في هذا الملف - القضية الجديدة التي اضيفت الى منطقة الازمات والكوارث والتوتر (منطقتنا) ان ما من سبيل لتنفيس الاحتقان ونزع فتيل الحرائق والحروب الا التعاطي بشكل مختلف وجديد وعملي مع المتغيرات والحقائق الدولية الجديدة بعيدا عن لغة الشعارات والتصريحات الانشائية والتوفر على اساليب وآليات ومقاربات عصرية ومقبولة بدل التمترس خلف الاوهام والاحلام الكاذبة.