سيبقى التقرير الذي قدمه المحقق الدولي في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، مدار تجاذبات سياسية، وقانونية داخل لبنان والعالم العربي وبعض الدول الغربية ولا سيما فرنسا والولايات المتحدة إلى أن تصدر الأحكام بحق مرتكبي جريمة العصر التي راح ضحيتها إضافة إلى الحريري مجموعة من المفكرين والسياسيين الذين شغلوا الساحة اللبنانية والعربية لعقود من الزمن.

ولأن التحقيق اتخذ منحى دوليا عندما ارتضى لبنان بداية لجنة تقصي الحقائق برئاسة القاضي فيتز جيرالد, ومن ثم بالمحقق الدولي ديتليف ميليس, فإن المسار الحالي يسير باتجاه تشكيل محكمة دولية في هذه القضية، وهو ما تسعى إليه عائلة الحريري نفسه والذي عبر عنه رئيس كتلة تيار "المستقبل" في البرلمان اللبناني الوريث السياسي للراحل سعد الحريري في النداء الذي وجهه من مدينة جدة أمس, إلى اللبنانيين.

فإذا كان التقرير الذي صدر في ساعة متأخرة من ليل الخميس الماضي, يعد خطوة أولى في مسار الكشف عن الحقيقة، فإن الوصول إلى العدالة يحتم على المجتمع الدولي متابعة كافة أوجه التحقيق بالجريمة ورفعها إلى محكمة دولية، خاصة وأن التقرير أورد أسماء مسؤولين أمنيين سوريين (عاد في مرحلة لاحقة وتراجع عن تسميتهم) تقتضي الحاجة إلى التحقيق معهم إيجاد مكان محايد يريح المحققين والمستجوبين وأصحاب القضية.

ووجود مسؤولين أمنيين سوريين في مدونة المتهمين أو المشبوهين أو المتورطين في جريمة الاغتيال، لا يعني أن الشعب السوري له علاقة بالعملية.

وقد عبر سعد الحريري ومن قبله عدد كبير من المسؤولين اللبنانيين، عن أن العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني لن تتأثر بذلك, وأن لبنان لن يخرج من عروبته، وأن هويته العربية قد عُبر عنها في كثير من المناسبات القومية العديدة ابتداء من احتضانه قضية الشعب الفلسطيني إلى رفضه الاتفاق 17 (مايو) ومواصلة مقاومة الاحتلال ورفضه نزع سلاح المقاومة.

والحكمة تقتضي من السوريين عدم التسرع في إطلاق الأحكام على محتوى التقرير وترك العدالة تأخذ مجراها إلى النهاية.