تشكل الانتخابات البرلمانية المصرية التي تجري مرحلتها الأولى في التاسع من نوفمبر المقبل، فرصة متعددة الدرجات لكافة الأحزاب والقوى السياسية وللشعب المصري نفسه لإثبات مدى جدية الشعارات المرفوعة والمطالبة بالتغيير، في ضوء حالة الانتعاش السياسي التي رافقت تعديل إحدى مواد الدستور بما سمح بانتخاب رئيس الجمهورية من بين أكثر من مرشح.

إضافة إلى فرض الرقابة الأكبر على سير عملية الاقتراع التي ستجري على ثلاث مراحل وفي فترة زمنية طويلة نسبياً تسمح للجميع بترتيب أوراقهم، وتعطي القضاء مساحة أفضل للإشراف على اللجان الانتخابية.

فالانتخابات المرتقبة تمثل أولاً اختباراً لمدى قدرة الحزب الوطني الحاكم على تغيير الوجوه القديمة التي أخذت منه ونالت من صورته في السنوات الماضية، بدلا من أن تضيف إلى تواجده في الشارع السياسي وهو التواجد الذي يشكك فيه المعارضون الذين ينظرون إلى الوطني باعتباره حزب السلطة وليس العكس.

وتعتبر الانتخابات ثانيا تحديا للمعارضة التي لا تكف عن اتهام الحكومة بالتضييق على حركتها في الشارع على مدى أكثر من ثلاث عقود هي عمر التجربة التعددية.

وربما يكون التقاء المعارضة في قائمة موحدة، رغبة منها في الخروج من حالة التشرذم التي نالت من قدرتها على التواجد الفعال في الشارع السياسي، واكتفى كل حزب في إثبات وجوده بمقر وصحيفة ناطقة باسمه للتنفيس أكثر من التفاعل الايجابي مع القضايا والأحداث الملحة التي تمر بالبلاد داخليا وخارجيا.

كما تعد الانتخابات من جانب ثالث فرصة للمرشحين المستقلين الذين ترددوا في السابق وتجنبوا الانخراط في العمل العام تشككا في قواعد اللعبة برمتها، وجاء الوقت للتعامل بقدر اكبر من المسؤولية مع التحديات التي تواجه بلادهم، وسبر مدى مصداقية الحديث المعلن من السلطة عن النزاهة والشفافية.

والانتخابات رابعا فرصة للشعب المصري لنفض غبار السلبية المتهم بها، ربما بالباطل، وتأكيد حضوره الفاعل، واثبات انه ليس اقل من شعوب أخرى تتحدى الصعاب وتغامر من اجل انتزاع حقها في صنع مستقبلها، ولم يعد مقبولا نسب المشاركة الهزيلة التي دمغت انتخابات سابقة.

وأخير فإن الانتخابات اختبار حقيقي لمدى حيادية الحكومة القائمة، وإدراكها أهمية أن تمثل كافة شرائح المجتمع المصري، لا أن تكون أداة في يد الحزب الحاكم، وأن تدرأ عن نفسها تهما سابقة بالتدخل لصالح هذا المرشح أو ذاك، وألا نشاهد عمليات »تقفيل« الصناديق وتزوير أصوات الموتى والغائبين عن الاقتراع، وان نرى شفافية كاملة، تعيد للناس الثقة في العملية السياسية.

إذن الجميع هذه المرة تحت الاختبار، حكومة ومعارضة، مرشحين ومقترعين، أجهزة رسمية وشعبية، لإثبات مدى الصدق في شعارات النزاهة والحياد المطروحة.

وتحريك الدماء في الشرايين التي كادت أن تتيبس، بفعل سنوات من الركود السياسي الذي أصاب الشرائح الفاعلة في نسيج المجتمع المصري بالإحباط من جدوى التغيير عبر صندوق الاقتراع.