هل يريد الرئيس الأميركي جورج بوش أن يجعل من نفسه وصياً أيديولوجيا دينياً على المسلمين وعقيدتهم؟

خطاب الرئيس خلال إفطار رمضاني في البيت الأبيض دعا إليه سفراء الدول الإسلامية لدى واشنطن، لا يفيد إلا بذلك.لقد قال الرئيس لممثلي الحكومات الإسلامية إنه يعتقد " أن الوقت قد حان كي يندد جميع الزعماء المسلمين الذين لديهم حس بالمسؤولية بأيديولوجية تستغل الإسلام لأغراض سياسية وتدنس دينكم الشريف".

وهكذا بدا الرئيس الأميركي وكأنه يخاطب زعماء لا يعرفون دينهم بصورة كافية.. وكأنه من ناحية أخرى أعرف منهم بدينهم رغم أنه غير مسلم.

كان الرئيس يتحدث في السياق العام للحرب الأميركية ضد "الإرهاب"، لكنه حرص كما هو دأبه على الدوام عند الحديث في هذه المسألة ـــ على عدم تحديد تعريف للإرهاب.

قد يختلف المسلمون فيما بينهم حول ابن لادن والزرقاوي وما إذا كان أسلوب العنف يقره الإسلام.. ولكن هل يختلفون حول استخدام العنف الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي.. وهل يختلفون في أن العدو الأعظم للمسلمين هو الحركة الصهيونية العالمية التي تنطلق من داخل الولايات المتحدة؟

على أن استغلال الولايات المتحدة للعاطفة الدينية الإسلامية كوسيلة دعائية ضد الشعوب الإسلامية نفسها تماهياً مع الحركة الصهيونية، ليس بالأمر الجديد.

فخلال عقود الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن المنصرم، كانت السياسة الثابتة للإدارات الأميركية المتعاقبة هي تشجيع ورعاية المنظمات الإسلامية المحافظة من أجل مناهضة التيار الشيوعي العالمي.

وفي هذا السياق ابتدعت واشنطن قرب نهاية عقد الستينات ما أطلقت عليه "الحلف الإسلامي"، بخلق جبهة إقليمية تضم بعض حكومات البلدان الإسلامية بقيادة شاه إيران محمد بهلوي.

وكان الهدف الاستراتيجي الأعظم لهذا الحلف هو مناوأة التيار القومي الناصري والتقارب مع إسرائيل، خاصة بعد مبادرة إيران الشاه إلى الاعتراف بالدولة اليهودية في ذلك الحين.

ما يريده جورج بوش الآن ليس مجرد حمل الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي على التصالح مع إسرائيل، وإنما يريد من هذه الأنظمة أيضاً ان تتحالف مع الولايات المتحدة لتحارب معها في فندق واحد أي تنظيم إسلامي يعارض المشروع الإسرائيلي لغرض سيطرة شاملة على العالم الإسلامي باسم "مكافحة الإرهاب".

لقد استخدم الرئيس الأميركي في خطابه ضمير المتكلمين "نحن" مفترضاً أن للشعوب الإسلامية والولايات المتحدة وإسرائيل "عدواً مشتركاً".

ومما لا شك فيه أن بوش لا يقصد بذلك الجماعات الإسلامية الراديكالية وحدها، بل يقصد إلى إسكات أي صوت تحرري في العالم الإسلامي يعارض السياسة الأميركية الانحيازية التي تنطلق من أجندة "اليمين المسيحي الإنجيلي الصهيوني" الذي ينتمي إليه جورج بوش نفسه، هذا هو جوهر الحرب على الإرهاب.

وفي خطابه امتن بوش على ممثلي الحكومات الإسلامية بقوله إنه أمر بضم القرآن إلى مكتبة البيت الأبيض. وهو قول لا معنى له.. ويبقى بلا معنى طالما أن جيش بوش منهمك في حرب ضد شعبين مسلمين: العراق وأفغانستان، وأن أجهزته الأمنية لم يعد لها عمل سوى ملاحقة الإسلاميين في جميع أنحاء العالم.