لا يمر يوم دون أن تفيدنا الأخبار عن حادث مأساوي يتعلق بغرق مواطن إفريقي أو إصابته وهو يحاول اختراق ما يسميه البعض خط ماجينو الجديد أو حائط برلين آخر أو الستار الحديدي الذي يفصل أو يفترض أن يفصل بين الشمال الغني والجنوب الفقير في العالم.
وخاصة الجنوب البائس أو القارة السمراء، خط أو جدار نشأ في منطقة المغرب العربي لأسباب جغرافية كمنطقة عبور، أو تحديداً منطقة لمحاولة العبور للمهاجرين الأفارقة الزاحفين والمنطلقين إلى الجنة الأوروبية عبر بوابة سبتة ومليليا بشكل خاص أو عبر البحر بحثاً عن العمل والخبز والأمان.
وهرباً من البؤس وغياب الأمل. نحن نعيش عصر المهاجرين بامتياز خاصة في الجغرافيا السياسية الأوروبية الإفريقية، كما يسميه الكاتب والصحافي الفرنسي جان دانيال.
بداية تبرز مفارقة لا بد من التوقف عندها وهي أن المغرب العربي الذي كان مصدراً للهجرة حتى التسعينات مع انخفاض وتيرتها لاحقاً صار اليوم متلقياً للهجرة الإفريقية كممر.
ولكن أحياناً مركز انتظار لهجرة تشكل أيضاً بعض التنافس مع عمالته نظراً لكلفتها البسيطة جداً، مما بدأ يخلق مشكلة اقتصادية في بعض الدول المغربية.
وجه آخر للمفارقة أن أوروبا التي بلورت منذ عشر سنوات تقريباً سياسة الشراكة الأورومتوسطية للتعامل في جزء من هذه السياسة مع الهجرة المغاربية الناتجة حينذاك عن انعدام الأمن بسبب الحرب الدائرة في الجزائر .
وبسبب الديمغرافيا الضاغطة، لم تكن تفكر بأن المشكلة الأكبر التي ستواجهها لاحقاً تتعلق ليس بالمغرب بل بإفريقيا السمراء عبر البوابة المغاربية وبكيفية حماية »الحصن الأوروبي« من هذا الاجتياح الديمغرافي كما يقول البعض.
جملة من الملاحظات لا بد من التوقف عندها في هذا الخصوص وهي:
أولاً إن الهجرة هي من أهم مسائل هذا العصر وقد تكون أهميتها لمناطق أكثر من أخرى، مثل الحالة الإفريقية. ويدعو تقرير صادر في مطلع هذا الشهر عن اللجنة العالمية للهجرات الدولية في الأمم المتحدة، الدول الأعضاء، للتعاون فيما بينها لمواجهة الهجرة غير الشرعية مع العمل على احترام حقوق المهاجرين.
كما يدعو إلى خلق فرص للهجرة الشرعية والأخذ بعين الاعتبار المسببات الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع للهجرة مع التأكيد على الحق السيادي للدول في الدفاع عن حدودها.
التقرير يعترف بالمشكلة ويدعو إلى أنسنة التعامل مع الهجرات غير الشرعية ضمن الحق السياسي للدول وإلى اللجوء إلى مقاربة شاملة لهذه المسألة، وإلى تشجيع التضامن الاجتماعي، والإنساني والتعاون الدولي للتخفيف من الانعكاسات السلبية لهذه الظاهرة المتزايدة مع ازدياد الأوضاع الإفريقية اضطراباً وبؤساً بشكل خاص.
ثانياً إن مشكلة الهجرة الإفريقية بشكل خاص صارت في طليعة الاهتمامات الأوروبية وتحدث نقاشاً قوياً وكبيراً في المؤسسة السياسية والاقتصادية والأمنية في العواصم الأوروبية .
وخاصة في عواصم الدول الأوروبية المتوسطية التي تشكل الوجهة الأولى للهجرة الإفريقية غير الشرعية. فرنسا وإسبانيا مثلاً دعتا إلى عقد مؤتمر أوروبي لبلورة سياسة أوروبية مشتركة وناشطة وذات طابع شامل للتعامل مع الهجرة.
فيما صارت هذه الأخيرة في أولوية المسائل على جدول الأعمال المشترك الأوروبي المغاربي، وتحديداً على جدول أعمال »مجموعة الدول الخمس زائد خمس« التي تضم الدول الأوروبية المتوسطية ودول اتحاد المغرب العربي.
هنالك بالطبع من جهة الجانب الإنساني الأخلاقي كما يقول البعض في الحوار الدائر في أوروبا، يقابله أو يحاصره الواقع الاقتصادي وتداعياته الاجتماعية الأمنية، كما يقول البعض الآخر. هذاهو أحد أهم محاور »الحوار« الدائر في أوروبا حول الهجرة.
ثالثاً إن أوروبا التي تشيخ شعوبها رغم التوسع في العام الماضي الذي ضم عشر دول جديدة، تمثل طرفاً أساسياً في العالم متلقياً للهجرة التي هي مصدر أساسي للتوازن الديمغرافي .
ومعه بالتالي الاقتصادي في أوروبا رغم التكلفة في المجال الأخير. فالهجرة، حسب تقرير الأمم المتحدة المشار إليه، شكلت في التسعينات ثماني وتسعين بالمئة من نسبة النمو الديمغرافي في أوروبا.
ومن دون الهجرة فإن سكان أوروبا كانوا سينخفضون بحدود أربعة ملايين ونصف من البشر مع ما يحمله ذلك من تداعيات على القاعدة الاقتصادية الإنتاجية مع الوقت.
رابعاً بدأ التفكير في أوروبا ببلورة سياسة استباقية ولو متأخرة بعض الشيء.
استباقية تهدف إلى معالجة عناصر الطرد في إفريقيا أو العناصر الدافعة إلى الهجرة، وذلك من خلال بلورة »خطة مارشال« إفريقية دعا إليها المغرب قبل الأوروبيين. المغرب الذي يشكل إحدى محطات الانتظار ومحاولات العبور الرئيسية إلى أوروبا.
وفي هذا الإطار رفعت المفوضية الأوروبية خطة إلى دول الاتحاد تتعلق بزيادة معونات التنمية إلى إفريقيا في حدود 20 مليار دولار سنوياً ابتداء من عام 2010 والتركيز على تطوير مشاريع البنى التحتية.
انفجار مسألة الهجرة أو المأساة الإفريقية .
وتداعياتها الخطيرة والتي تطال الجميع تدل على كم صار من الضروري بلورة سياسات عالمية تضامنية وقائية، وكم من الضروري بلورة وعي بمسؤولية جماعية ليست فقط من منطلق أخلاقي وإنساني بل من منطلق استراتيجي مصلحي للتعامل مع هذه المسألة.
كاتب لبناني