ليس هناك ما يضمن ألا تفلت سوريا من هجوم أميركي محتمل، فلا الولايات المتحدة لديها مانع أو يردعها أحد، ولا دمشق تدير الأزمة بما يبعدها عن ضربة عسكرية.

ولا العرب يناصرون الحكومة السورية بالقدر الذي يمكنها من تفادي المواجهة السافرة مع واشنطن، ولا الأوروبيون لديهم موانع من التضحية بنظام لا تربطهم به مصالح قوية، ولا تل أبيب ستكف عن تحريض واشنطن على دمشق، حتى نهاية المنحنى.

هذه الظروف الصعبة التي تؤرق كل عربي يحب سوريا، ويقدر دورها في نصرة النضال ضد إسرائيل، ستجعل رهان دمشق على إبرام صفقة مع واشنطن مغامرة غير محسوبة العواقب.

فمثل هذا المسار لا يمنع توجيه ضربة عسكرية، تضعف من سوريا وتهز ثباتها، وتجعل مثل هذه الصفقة »املاءات مشروطة« وليست اتفاقا بين ندين، أو علاقة من »الاعتماد المتبادل« بين قوة عالمية وقوة إقليمية، أو تعاونا محدد في ملفات بعينها.

وإذا كانت دمشق تعول على توعك أميركا في العراق، والذي يجعلها مترددة أو متخوفة من غزو أي دولة عربية أخرى، فإن الولايات المتحدة لم تفشل في إسقاط الجيش النظامي العراقي، بل أخفقت في إدارة الدولة.

واستراتيجية »الفوضى البناءة« التي تحدث عنها المسؤولون الأميركيون تعني هنا ببساطة شديدة توجيه ضربة قاضية للنظام السوري وترك البلاد في حالة فوضى، يصب استمرارها في صالح إسرائيل، مع بقاء واشنطن بعيدة عن إدارة الدولة السورية بشكل مباشر.

وظني أن الضربة المحتملة لن تكون قاضية منذ الوهلة الأولى، بل ستكون خاطفة، تؤلم النظام ولا تميته، وتدفعه دفعا إلى الاستجابة للمطالب الأميركية، وفي مقدمتها تأمين الحدود السورية ــ العراقية.

وما يرجح هذا أن إشاعة الفوضى العارمة في سورية، ستزيد من احتمالات تسلل المقاتلين »الإسلاميين« إلى الأراضي العراقية، وأن من الأفضل أن يبقى النظام السوري الحالي قائما، شريطة أن يبذل قصارى جهده في منع هذا التسلل.

وتهيئ واشنطن الساحة حاليا لمثل هذه الضربة، سواء من خلال ملف التحقيق في حادث اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، أو اتهام سوريا بالضلوع في حوادث العراق، أو تسليح الفلسطينيين في لبنان.

وتباعا تزداد أوراق الاتهام وآخرها انتحار وزير الداخلية السوري غازي كنعان، الذي طلب رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري، تشريح جثته، لمعرفة مع إذا كان انتحر أم نحر.

لكن الضربة قد تعقبها ضربات أخرى أكثر إيلاما، حال عدم قيام دمشق بفعل ما تراه واشنطن كافيا لعدم ضربها. وقد لا تأتي هذه الضربة، حتى في شكلها الجزئي والخاطف، إن حدث تغير دراماتيكي في توجه النظام السوري، فأقدم بسرعة على التخلي عن الحيز الاستراتيجي الذي حافظت عليه دمشق عقودا من الزمن.

والمتعلق بمساندة بعض فصائل المقاومة الفلسطينية ومؤازرة حزب الله، إلى جانب التعاطي الإيجابي مع المقاومة العراقية. وتكتمل ملامح هذا التغير بتفريط سوري في »ثوابت« عضت عليها دمشق النواجذ، خلال تفاوضها الشاق، والمجمد حالياً، مع إسرائيل حول الجولان المحتلة.

وحال وقوع هذا الانقلاب في السياسة الإقليمية السورية، لن يطلب من النظام السوري إجراء تعديلات جوهرية في سياسته الداخلية، بل قد يكتفى بحزمة من الإجراءات الشكلية البسيطة، التي تفض ذريعة واشنطن حول »استبداد النظام.

وتسمح له في الوقت نفسه بالاستمرار علي قيد الحياة، بعد أن يكون قد امتص الاحتقانات الداخلية، أو خفف من وطأتها، وفرغ بعضها من مضمونها، ووسع شعبيته، وأفسح طاقة الأمل في التغير، حتى لو كان تدريجيا.

لكن الواقع يقول إن سوريا لن تلقي بأوراقها دفعة واحدة، ولن تقدم تنازلات مخجلة، تجعل هامش المناورة أمامها منعدما، خاصة أن بعض هذه الأوراق طالما تم، ويتم، استعماله في تعزيز شرعية النظام الحاكم، وتبرير بعض سلوكه حيال الداخل والخارج.

إن المطلوب من الحكومة السورية هو الالتفات إلى الورقة الرابحة، المنسية عمدا، والتي سيحسن استعمالها من موقف دمشق على كل الجبهات. هذه الورقة تتلخص في الاستجابة لأشواق السوريين إلى الحرية.

وفتح شرايين المجتمع لحراك سياسي وعقد اجتماعي جديد، وبناء أجندة وطنية عادلة تتفق عليها كل القوى والأحزاب من أجل إنقاذ سوريا، العزيزة علينا، والتي سيكون ضربها ــ لا قدر الله ــ كارثة محققة على كل العرب والمسلمين.

مدير مركز بحوث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة