هل بدأ فصل جديد في منطقة الشرق الأوسط؟ وهذه المرة تدور رحاه بين سوريا من جانب والولايات المتحدة وفرنسا من جانب آخر؟ وهل سنكتشف بعد فترة قصيرة أن لبنان سينضم إلى الولايات المتحدة وفرنسا؟ وإذا حدث هذا، فالغالب أن المجتمع الدولي سيقف مع لبنان.
نقول هذه الاسئلة الخطيرة في هذه اللحظة بعد أن صدر تقرير القاضي ديتليف ميليس في قضية اغتيال رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري، وهذا التقرير ليس تقريرا عاديا لقد صدر التقرير بناء على تفويض رسمي من مجلس الأمن للقاضي بالتحقيق في عملية الاغتيال.
وتم تسليم هذا التقرير إلي الأمين العام للأمم المتحدة الذي قام بدوره بتسليمه إلى كل الدول الأعضاء في مجلس الأمن، اضافة إلى كل هذا فإن المجلس سيعقد جلسة يوم الثلاثاء المقبل لبحث التقرير والمناقشة في الاجراءات التي يتعين على المجتمع الدولي ان يشرع فيها.
نحن إذن أمام قضية بالغة الخطورة، وأمام تطورات أخطر، وفوق كل هذا، تدار كل الاجراءات من قبل الأمم المتحدة التي تجسد إدارة المجتمع الدولي ومعني هذا انها تتحصن ضد الاتهامات بالتحيز لطرف ضد طرف ثم ان مثل هذا الاتهام يصعب اقامة الدليل عليه، اضافة إلى أن الدخول في مواجهة مع المجتمع الدولي لن تغني ولن تسمن من جوع.
القضية الآن، وباختصار شديد تحتاج إلى أسلوب جديد في إدارة هذه الأزمة، وهي أزمة عنيفة، ويقول البعض بل هي المصارعات وفي مثل هذه الظروف فإنه يجب التعامل معها بالجدية المناسبة، فالمهم ان تستخدم الدول العربية، المنطق والحجة المقنعة.
أما اللجوء إلى القول بأن التقرير مسيس أو أنه جزء من مؤامرة ضد سوريا، أو أنه يعبر عن رغبة أميركية فرنسية في الاجهاز على سوريا بسبب دورها القومي العربي في المنطقة.. فكل هذا الكلام لن يفيد كثيرا.
فالحقيقة ان التقرير يتحدث عن اغتيال رئيس وزراء له وزنه وثقله السياسي الكبير ولذلك فلابد ان يتعرض لبعض الأمور السياسية ولأن التقرير ناقش القضايا الأمنية، والأطراف المختلفة التي قد تكون ذات صلة، فقد تخوض ايضا لأمور تتصل بعمل أجهزة المخابرات، وأجهزة الأمن وحتى بعمل وزارات الخارجية كل هذا تعرض له التقرير.
والسبب الاساسي في هذا كله، أن شخصا في حجم ووزن الحريري لايمكن ان يتم اغتياله بطريقة اغتيال شخص لاوزن له أو قيمة أو أن الحادث كان مصادفة.
يكفي أن رد الفعل على عملية الاغتيال البشعة، كان توحيد الشعب اللبناني بشكل غير مسبوق في تاريخ لبنان المعاصر، فلأول مرة لم يشغل اللبناني نفسه بهل هو مسلم أو مسيحي، ماروني أو أرثوذكسي، سنيّ أو شيعي، بل انشغل الجميع بأنهم لبنانيون تحت علم واحد وعلى ارض واحدة ومن مصلحتهم ان يتكاتفوا معا.
ووفقا للمتواتر، فإن مجلس الأمن سيبدأ في عقد سلسلة اجتماعات لاتخاذ مجموعة من القرارات المتتالية ذات الصلة بالوضع في سوريا ولبنان، والغالب انه لوصدر أول هذه القرارات، فإنه لن يكون مطلوبا أو منتظرا من سوريا إلا الانصياع التام والالتزام بالتنفيذ الحرفي للقرارات التي ستصدر تباعا.
مرة ثانية هذه القضية لاعلاقة لها لا بالامبريالية الأميركية ولا بالمؤامرات الجهنمية لاستعادة السيطرة على العالم العربي، فحادث اغتيال الحريري هو بكل المقاييس لايمكن تبريره ولابد من تنفيذ القانون العادل الذي يقضي بمعاقبة القاتل.
كان الله في عون سوريا خلال الأيام العصيبة المقبلة، وكل الأمل ينعقد في أن تتوصل إلى خطة عمل سياسية تجعلها قادرة على التعامل مع الوضع الخطير الناشيء، وتخرج منه بأقل الاضرار الممكنة هذا إذا تعذر عليها خلاف ذلك..
وأول الطريق في هذا المجال هو اتباع اسلوب التعاون والتنسيق الكامل مع مجلس الأمن، ومع من يبعثهم المجلس في المرحلة المقبلة، وفي العمل علي توفير كل المعلومات والأدلة اللازمة.