يبدو أن عجلة التاريخ لا تعود للوراء أبداً، بل إنها تدور دائماً للأمام، وهي سنة الحياة، وهي لا تخرج عن إطارها الطبيعي. وحكاية العجلة مرتبطة أساساً بمرحلة تطور اكتشاف الإنسان لوسائل تحقق له سهولة الحياة.
وربما تساهم في تطور الحياة، ومن هنا تبقى أدوات الإنسان في طور من التقدم، منذ اكتشاف النار، مروراً بآلاف الاكتشافات والمخترعات العلمية، والتي سهلت الحياة على كوكب الأرض.
وكان الإنسان هو الذي يبتدع دائماً، وفي كثير من الأحيان تكون الحاجة أم الاختراع، ولولا ذلك لظل الإنسان يعيش في المرحلة الأولى من تطور الحياة، سواء في مجالها الاقتصادي، الاجتماعي، والسياسي.
إلا ان الجوانب العلمية ظلت هي المجال الذي لا يمكن ان يختلف عليه اثنان، مهما كانت توجهاتهم الفكرية، سواء في جانبها المادي أو غيرها من أنماط التفكير السائدة، تلك الأنماط التي مرت بمراحل تاريخية مختلفة، تسود فيها العقلية العلمية أحياناً، وفي فترات أخرى تسود فيها العقلية العاطفية.
والتي تؤمن بغير المنطق العلمي في تفسير الأمور. ولعل ذاكرة التاريخ البشري تؤكد على أن الصراع بين العقل والعاطفة، قد مر بمراحل فيها الكثير من المرارة.
وفي الوقت نفسه فيها نشوة الانتصار للعقلانية والمنطق، ولعل التاريخ المشترك للبشرية سواء في شرقه أو غربه، شماله أو جنوبه يؤكد على أن الحضارة الإنسانية هي ملك للجميع، فهي بلا هوية وطنية، أو تركة عرقية.
أو مكان معين. أليس استخدامنا منجزات الحضارة الإنسانية في الوقت الراهن هو نتيجة للمساهمات الحضارية منذ ما يزيد على سبعة أو ثمانية آلاف من السنوات، كان الإنسان يبحث فيها عن حياة أفضل، وعن نظم أكثر إنسانية، سواء في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي وحتى السياسي.
لقد عانت أوروبا وشعوبها من جبروت الكهنوت الديني في العهود الوسطى، واستغل الإنسان أخاه الإنسان في مرحلة ما قبل الديانات، حتى جاء الإسلام وحاول ان يكسر كل القيود التي أدمت البشرية بأشكال مختلفة، وجعل البشر سواسية كأسنان المشط، وقضى على نظام سياسي واقتصادي استمر لمئات السنين!!
ولعل التطور في النمط الاقتصادي للمجتمعات البشرية على مر التاريخ، خلق آليات مختلفة لأنماط الحياة الاجتماعية، السياسية، وخلق آليات جديدة لخلق توازن بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وحينما يختل التوازن تحدث الكوارث السياسية، سواء ما حدث في ثورة سبارتكوس.
أو ثورة الزنج، ومن بعدهما الثورة الفرنسية، والثورة الأميركية، والثورة البلشفية في روسيا القيصرية، على حين أن التوازن والعدالة هي التي خلقت الحضارات والثقافات التي سادت لفترات طويلة في حياة الأمم والشعوب.
حين ذاك كان لاحترام الآخر، وخاصة الأقليات دور في تطور المجتمع، ومحاولة لضبط الصراع وبطرق حضارية، وكانت تجارب الأمم المختلفة شمعة تضاء لحياة بلا عنف، أو عدم استقرار، وفي أحسن الحالات أن تضيء شمعة أحسن من أن تلعن الظلام. إن السجل التاريخي للبشرية في محاولات العيش بسلام.
أو الدخول في مرحلة عدم الاستقرار، سؤال الشرعية الإنسانية للوضع القائم، من منا كان يعتقد ولو لبرهة انهيار الاتحاد السوفييتي، ذلك العملاق الرهيب، أو سقوط إمبراطورية شاه إيران، أو غيرها من التجارب السياسية، والتي اعتقد الكثيرون أنها ستستمر للأبد.
هل يعقل ان يحاكم صدام حسين هذه الأيام، وهو الشخص الذي حكم بشراً لهم امتداد حضاري منذ حمورابي، وحضارة بابل، وقد أعمل فيهم المسدس والدبابة والمدفع وحتى الطائرة ساعياً لإلغاء هذا التاريخ وخلق عراق يرضخ لنزعاته الاستبدادية، كم هم واهمون الذين يتناسون حركة التاريخ ويعتقدون أنهم بإلغاء الآخر يستطيعون أن يقهروا إرادة التغيير في شعوبهم.
والأكثر منهم وهماً أولئك الذين مازالوا يعتقدون مثل ذلك، على الرغم مما شاهدته أعينهم من انهيار تلك الديكتاتوريات....... إنه الإدراك الخطأ للتاريخ وعدم الوعي أن التاريخ والبشرية في تغير دائم.
في هذه اللحظة الفلسفية ومن النوم العميق بعيداً عن الواقع، وعن الهموم التي يعاني منها الإنسان، جاء من جديد ذلك الإنسان المزعج، وهو صديق نصف العمر، والذي ربما يساوي العمر كله حينما كان الإنسان شاباً، ويحمل طموحاً في إحداث تغيير في العالم، سواء على المستوى الشخصي.
أو العام، في تلك اللحظة تدرك كم هو مهم ان تظل نائماً، وبعيداً عن الواقع والهموم اليومية، حين ذاك تكون بين مرحلتين، مرحلة الموت بمعنى النوم، ومرحلة الراحة عن الهموم اليومية، حالة من التوازن والاسترخاء العقلي والذهني.
وراحة بدنية بعيداً عن التاريخ والاقتصاد والاجتماع، وعن ذلك المزعج أبداً (السياسي)، ذلك الهم في الشرق أو الغرب، سواء في معضلة الواقع والطموح، أو الغرب وما يحمله من تناقضات له علاقة بين المحلي العربي والخارج، وهي ازدواجية المعايير في السياسية، بين الداخل والخارج.
حاولت أن افتح عيني، فقط للتأكد أنني ما زلت أعيش حلم السير في أغوار تاريخ البشرية، إلا ان يده الغليظة وألفاظه بل صوته المزعج، والذي أكد على أهمية ان أكون معه في هذه اللحظة، قال لي أيها النائم في عالم متغير.
ان هنالك دعوة للمشاركة في عضوية غرفة تجارة وصناعة أبوظبي!! قلت ماذا، قال إعلان في الصحف فحواه التصويت والترشيح حق وواجب، قلت متى قال اليوم، هنا تذكرت ما طرحه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، قبل سنوات عديدة حول إحياء مبدأ المشاركة.
والشورى من خلال المجالس المحلية سواء على مستوى الأحياء أو غيرها وهي دعوة لإحياء عملية الشورى والمشاركة في مجتمع الإمارات، للحفاظ على التوازن الداخلي، وتدخل في إطار الإصلاح وترسيخ مبدأ كان موجوداً في هذه المجتمعات.
إن انتخابات غرفة تجارة وصناعة أبوظبي لن تكون آخر الأخبار عن توجهات الإمارات نحو المشاركة، فالإمارات كانت ومازالت تعرف أن الدول التي تطمح بالتقدم والنماء ليس أمامها طريق تسلكه سوى أن تساير حركة التاريخ، وحركة التاريخ تتطلب وباستمرار مزيداً من المشاركة، والإمارات ليست بعيدة عن هذا التوجه.
ذهب المزعج لكنني لم أستطع أن أعود إلى ما كنت فيه، فإن أي قرار يتخذ في وطننا الإمارات يجعلنا مدعوين للتفاعل معه، وإلا فلن يكون للدعوة للمشاركة من معنى.
وحدة الدراسات والبحوث ـــ البيان