تاهت خيول الأسئلة في قفار الحيرة. . وارتبكت المشاعر في غيوم اللحظة وتحسست العيون ملمس الانكسار أمام قسوة المشهد.
صورة أخرى من صور التداعي والسقوط. ديكتاتور قابع في قفصه ينتظر محاكمته وكان قبل ذلك بسنوات هو الحاكم المدافع عن شرف الأمة، الذي يرتع ويلهو في مراعي الحماية والدعاية والدعم لمن يحاكمونه الآن.
الذين صنعوا مشهد انهيار التمثال في 9 ابريل 2003 و »القبو« في 13 ديسمبر هم ذاتهم مبدعو صورة »المحاكمة« العبثية.
محاكمة صدام حسين هي محاكمة جريمة صغرى يتحمل مسؤوليتها ولا خلاف أو اختلاف على بشاعة الجرائم التي يحاكم من أجلها. . لكن من يحاكم الجريمة الكبرى التي أنتجت وأسست وأيدت وساندت الجريمة الصغرى في مرحلة ما..
السؤال: من صنع الديكتاتور ويحاكمه الآن ولا يحاكم معه؟.
لحظات الانفعال وتفاصيل المشهد الوقتي الحاصل الآن لا يمكن أن تضيع معها الحقائق وتتوه والذي يحاول القفز على الحقيقة الآن ويخدع الناس بعض الوقت لن يستمر في الخداع طويلاً.
في صورة 19 أكتوبر مثلما كان في صورة 9 ابريل و 13 ديسمبر بداية لمرحلة مفزعة في التاريخ العربي محاكمة حاكم عربي مهما بلغت جرائمه تؤسس لمحاكمات أخرى لا ندري موعدها ومكانها دون محاكمة الشريك الرئيسي في تلك الجرائم.
صدام قد يلقى مصيره على طريقة بطل رواية »المحاكمة« للكاتب النمساوي فرانز كافكا ويعدم. لكن هل تضيع حقائق التاريخ وتجاوزها وربما نسيانها ؟
أقول ذلك لأن الذين قاموا بالإخراج المدهش لصورة المحاكمة رغم البث الديمقراطي المتأخر لمدة 20 دقيقة يريدون إغراق الجميع في التفاصيل دون الغوص والنظر في أعماق الصورة.
صدام مثله مثل ماركوس الفلبين وشاه إيران و نورييجا بنما وبينوشيه شيلي وبن لادن أفغانستان لهم صنّاع ومحركون كانوا يغضون البصر عن جرائم هؤلاء في حق شعوبهم ودولهم حين كانت المصالح مشتركة والروابط عميقة ومتينة وقوية والآراء متطابقة ولكن حين دارت الدوائر واستنفدوا أغراض وجودهم انقلبوا عليهم.
في نهاية الستينات كان الرئيس الأميركي ليندون جونسون يقول عن ديكتاتور الفلبين ماركوس انه الذراع القوية للولايات المتحدة الأميركية في شرق آسيا وكذلك نورييجا في بنما كان من الصالحين الخادمين للمصالح الأميركية.
والعميل السري الدؤوب لوكالة الاستخبارات الأميركية. وشاه ايران قال له كارتر »إن بلاده هي واحة الديمقراطية والأمان في الشرق الأوسط« ولكن اختلطت الأوراق وتقاطعت المصالح فتخلوا عنهم وباركوا سقوطهم.
صدام كان الصديق الحميم والشريك التجاري والأول فعل كل ما فعل طوال 30 عاما دون إدانة أو تنديد من »الأصدقاء الحميمين« في ذلك الوقت. . وهم الذين اكتشفوا فجأة أنه ديكتاتور ومستبد.
نعم نريد محاكمته جنائيا على جرائمه لكن نريد أيضا أن نحاكم من صنعوه ويحاكمونه الآن محاكمة سياسية علنية عادلة.