أثارت ورقة الأستاذ عبد الرحيم حمدي، وزير المالية الأسبق، عن »مستقبل الاستثمار في الفترة الانتقالية« التي تقدم بها لمؤتمر الحزب الحاكم في الأسبوع الثالث من سبتمبر الماضي، أثارت جدلا واسعا في الصحف لم يخل من مراشقات كيدية ضد الرجل الذي بدأ سياسة التحرير الاقتصادي بحزم في مطلع التسعينات.
وقد قادت سياسته القاسية في تلك الفترة إلى رفع معدلات التضخم والى زيادة حجم الفقر في البلاد وأضعاف الطبقة الوسطى، ولكنها في ذات الوقت أدت إلى تحريك النمو الاقتصادي بمعدلات غير مسبوقة منذ ثلاثة عقود.
ومكن الحكومة من الاعتماد على مواردها الذاتية بنسبة تزيد على التسعين في المئة، وأنهت إلى غير رجعة الصفوف الطويلة أمام محطات البنزين وأفران الخبز ومحلات بيع أنابيب الغاز. ومهما قيل في قدح الرجل من دعاة اليسار ومن المعارضين لحكومة الإنقاذ إلا أن الجميع يسلمون بأن الرجل صاحب رؤية اقتصادية واضحة تستند على حجج إحصائية متينة.
وأنه يملك الجرأة الكافية للصدع بقناعاته أمام الملأ ويدافع عنها بمنطق قوي متماسك. وهو لا يجامل مثقال ذرة في الاعتراف بأن سياساته التحريرية كانت قاسية على القاعدة العريضة من الشعب السودانى، ولكنه يدافع عنها بأن هذا هو الطريق الوحيد أو الطوفان! وأثبتت الأيام أكثر من مرة صدق تنبؤاته.
الورقة التي قدمها في المؤتمر الاقتصادي للحزب الحاكم تحمل سمات الرجل إلى درجة يسهل على المراقب العادي أن يتعرف على صاحبها دون أن يكون الاسم مكتوبا على غلافها المصقول.
تقول الورقة ابتداء ان التكليف بكتابتها جاء من الحزب وليس من الدولة، ولذا فهي تراعي مصلحة الحزب في الاستفادة من الاستثمار خلال الفترة الانتقالية حتى تمكنه من تحقيق مكاسب انتخابية تضمن له البقاء في السلطة! وهذه صراحة في الحديث »عويرة« لا يجرؤ عليها الساسة في السودان خاصة المتنفذين من رجال الإنقاذ.
استبعد الرجل مناطق الجنوب وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق من الخريطة الاستثمارية لأن مشروعاتها التنموية ستغطى من التدفقات المالية المتوقعة من اتفاقية أوسلو والتي ستشرف عليها مفوضيات محددة لا سلطة لحكومة السودان عليها ولن يفيد منها الشمال كثيرا. أما التدفقات العربية والإسلامية (الرسمية والخاصة) سوف تأتى على الشمال الجغرافي ويسهل أن تجذب إليه.
لذا ينبغي أن يكون هدف الحزب هو هذه الاستثمارات لما لأهل الشمال من علاقات مع مصادرها (الصناديق العربية، المستثمرين العرب والمسلمين، البنك الإسلامي للتنمية ومؤسساته). كذلك فان الاستثمارات الضخمة في قطاع البترول ستتجه بالضرورة إلى الشمال حيث الامتيازات الجديدة الواعدة.
والقوة التصويتية التي ستحسم الانتخابات المقبلة (السنة الرابعة من الفترة الانتقالية) هي في الشمال الجغرافي (حوالي 25 مليون نسمة) ابتداء من الولايات الشمالية إلى سنار والجزيرة والنيل الأبيض، وهى الأكثرة خبرة في العملية الانتخابية والأكثر استجابة للمؤثرات الاقتصادية (الخدمات والإنتاج وفرص العمل) والأكثر وعيا بحكم انتشار التعليم في مناطقها.
لذا ينبغي أن يكون تركيز الحزب على جذب الاستثمار لهذه المنطقة، وهي لحسن الحظ الأقرب والأكثر اتصالا بريا وجويا مما يجعل الحملة الانتخابية فيها أسهل وأسرع وأوفر.
كما أن الجسم الجيوسياسي في المنطقة الشمالية (محور دنقلا ـ سنار ـ كردفان) أكثر تجانسا وهو الذي يحمل فكرة السودان العربي ـ الاسلامي منذ أن نشأت به ممالك إسلامية قبل مئات السنين، مما يمكن الحزب من إقامة تحالف سياسي عربي ـ إسلامي يستوعب كل هذه المنطقة.
وبناءً على تداعيات الوضع الراهن فان موارد كبيرة ستذهب من الشمال (حوالي 65% من ميزانية الدولة) إلى دارفور وشرق السودان، وذلك يتطلب بالضرورة تطوير موارد الشمال التقليدية بصورة دراماتيكية.
وسريعة لمقابلة تطلعات أهل هذا المحور الذي يريد الحزب أن يكسبه. وينبغي أن نضع في حسابنا أن الوحدة بين الشمال والجنوب قد لا تتم، فلذا يجب أن نعمل بجد ومنذ الآن للوضع البديل، فان الوحدة لن تكون »جاذبة« طالما هنالك قوى أجنبية فاعلة تلجأ لتأجيج نار الانفصال.
ليس هناك من وضوح في الطرح السياسي أكثر من هذا، ولا أشد قسوة على أهل المناطق المهمشة في دارفور وشرق السودان والجنوب، مما يعطيهم حجة دامغة في أن العلاقة مع الشمال لا فائدة منها لأن أهله لا يفكرون إلا في أنفسهم.
بالنسبة للرجل في الدول الغربية ليس هناك ما يستغرب في طرح الأستاذ حمدي لأن مهمة الحزب السياسي عندهم هي في المقام الأول الدفاع عن مصالح مؤيديه وناخبيه طبقة كانوا أم منطقة جغرافية.
فليس من بأس على الرئيس بوش أن يراعى مصالح الشركات الكبرى التي تدعمه ومنطقة الجنوب حيث يكثر مؤيدو الحزب الجمهوري، كما لا تثريب على الحزب الديمقراطي أن يراعى مصالح العمال والأقليات الذين يصوتون له .
ومنطقة الشمال الشرقي من أميركا التي تنحاز إليه. ولكن لماذا يريد حمدي ان يقفز ببلد تعانى من احتمالات التفرق والتمزق فوق مستوى تطورها السياسي والاجتماعي؟ هذا هو مكمن الخطأ في تقديره!.
كاتب سوداني