القضاة العراقيون الخمسة الذين يمثل أمامهم الرئيس العراقي السابق صدام حسين يقبضون رواتبهم من حكومة الولايات المتحدة في إطار تمويل أميركي كامل لمتطلبات المحاكمة. ومن هذه الحقيقة بوسعك ان تستنتج مآل المحاكمة المقرر سلفاً في واشنطن.

لكن ارتهان ذمة القضاة إلى الخزينة الأميركية عبر السفير زلماي خليل زادة الحاكم الفعلي للعراق ـــ ليس الحقيقة الوحيدة التي تجعل من المحاكمة مأساة مسرحية وملهاة في آن معاً.

فالقانون الجنائي الذي يحكم مسار المحاكمة وضعه بول بريمر رئيس السلطة الاحتلالية السابق الذي غادر نهائياً وفي حقيبته مبلغ مليار دولار نقداً تاركاً قانونه الجنائي ساري المفعول.

وبالطبع فإن مواد وإجراءات هذا القانون مفصلة وفقاً لمتطلبات الإدانة المسبقة للرئيس السابق. فمحامو الدفاع غير مسموح لهم مثلاً باستجواب الشهود بصورة مباشرة. فالأسئلة الموجهة إلى أي منهم ينبغي أن توجه عبر القضاة إن شاءوا سمحوا وإن شاءوا رفضوا وفقاً للمغزى القانوني للسؤال.

من ناحية أخرى فإن سيناريو المحاكمة المقرر مسبقاً وضع على أساس تفادي توريط حكومة الولايات المتحدة ـــ سواء في الحاضر أو الماضي ـــ في أية مخالفة للقانون الدولي.من هنا ندرك لماذا خلت صحيفة الاتهامات الموجهة إلى الرئيس العراقي السابق من أهم تهمة:

شن الحرب لمدى ثماني سنوات متصلة على إيران. فالنظام العراقي اتخذ قرار شن هذه الحرب بعد أن تلقى رئيسه ضوءاً أخضر من الرئيس الأميركي رونالد ريغان عن طريق حاكم عربي مع تعهد بدخول الولايات المتحدة الحرب إذا لم تتمكن القوات العراقية من إلحاق هزيمة ساحقة بإيران في غضون بضعة أسابيع.

ونعلم أن ريغان أراد توريط هاتين القوتين الإقليميتين في الخليج في صراع دموي طويل يؤدي إلى تدمير كليهما.لكن رغم عزوف الولايات المتحدة عن التدخل المباشر في مسرح الحرب إلا أنها مع ذلك قدمت إلى نظام صدام مساعدات استخباراتية قيمة بتزويده بانتظام بصور الأقمار الصناعية لتجمعات وتحركات القوات الإيرانية.

ولو أن قائمة الاتهامات الموجهة إلى صدام حسين الآن شملت العدوان العراقي على إيران لوجد الرئيس السابق نفسه في موقف يمكنه من فضح الولايات المتحدة وتواطئها مع نظامه.

إنها إجمالاً محاكمة غير شرعية على الإطلاق لأنها تجري في ظل حكومة غير شرعية في حماية سلطة احتلالية غير شرعية. والحالة الاحتلالية غير شرعية لأنها نشأت عن غزو غير شرعي.. فعملية الغزو مخالفة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لأنها نفذت من وراء ظهر مجلس الأمن الدولي.

وعلى هذا النحو كان الأجدر أن يحاكم الرئيس الحالي للإدارة الأميركية وأسلافه من رجال إدارة رونالد ريغان.

في عام 1983 ـــ والرئيس صدام في أوج سلطانه ـــ اجتمع دونالد رامسفيلد مع الرئيس العراقي حيث أكد هذا المبعوث الأميركي على تحالف واشنطن مع نظام صدام. وبعد عشرين عاماً فإن وزير الدفاع رامسفيلد هو الذي نفذ خطة الغزو للإطاحة بنظام صدام...

ويا لها من مفارقة.