في السبعينات من القرن الماضي التقيت في الدوحة برواد الفضاء الأميركيين، بعد عودتهم من رحلة دارت بهم حول الأرض عدة دورات على متن السفينة الفضائية »أبوللو«، سألتهم قائلاً ..

ينسب إلى رائد الفضاء السوفييتي »يوري جاجارين« الذي قام بأول رحلة فضائية في العالم على الإطلاق محققاً سبق للروس على الأميركيين في سباق الفضاء قوله : »بحثت عن الله في الفضاء فلم أجده« !

.. قال ذلك وهو الذي دار دورة واحدة حول الأرض، .. ترى بعد عدة دورات قمتم بها هل لكم رأي آخر؟

قال لي أحدهم بابتسامة لا تخلو من »براءة« لعله »فانس براند« ..إذا كان هذا الرجل ذو الأيديولوجية المادية، على مدى سنوات عمره لم يؤمن بوجود الله على الأرض المادية، فكيف له بعد دورة واحدة أن يؤمن به في الفضاء؟!.

«

كان ذلك في حوار صحافي مع اثنين من رواد الفضاء الأميركان: » توماس ستافورد«، و»وفانس براند« بحضور العالم العربي المسلم الدكتور »فاروق الباز« أحد أشهر المصريين المساهمين في أبحاث الفضاء.

تذكرت هذه الإجابة للرائد »براند« بينما تزداد اتساع حدقة العين لتبصر أكثر، ويزداد التأمل العقلي ليدرك أنضج، ويزداد الصفاء الروحي خصوصاً في رمضان فتصحو القلوب التي في الصدور.

وبغض النظر إن كان ما نسب إلى جاجارين صحيحاً أم لا، إذ أنه على الأقل يتفق مع أيديولوجية الشيوعية التي لا تنظر إلى الكون إلا بمنظار مادي بحت ولا تعترف بحقيقة ما إلا بوسيلة علمية.

ودون الدخول في نقاش طويل حول ما في الكون والحياة من حقائق روحية وغير مادية لا يستطيع العلم الإحاطة بها لسبب بسيط لأنه لا يستطيع إخضاعها لمنهجه، أو أن وسائله رغم كل هذه الثورة العلمية الهائلة لم نستطع التوصل إليها بعد.

بغض النظر عن ذلك فلقد ذكرتني هذه الإجابة بكتاب عن تاريخ الفلسفة الإغريقية قرأته قبل ذلك بسنوات، غاية في المتعة والإثارة مثلما كان غاية في العبرة والفائدة في الوقت ذاته ..

ويستعرض الكتاب نموذجاً لحيرة الإنسان عبر التاريخ منذ بدء الخليقة ورحلته الطويلة على الأرض بحثاً عن الخالق .. ومن هذا العرض التاريخي يتضح لنا أن أول فلسفة يونانية مكتوبة تشير إلى المدرسة المادية في محاولة لبلورة »نظرية الخلق« على يد الفيلسوف »طاليس« رائد هذه المدرسة.

والتي شهدت خلال العقود الطويلة التي سادت فيها الفكر في بلاد اليونان، مراحل من الاختلافات والاجتهادات العقلية بين كبار فلاسفة هذه المدرسة في محاولتهم البشرية المحدودة للوصول إلى اللامحدود، في محاولة للإجابة عن السؤال من هو الخالق لهذا الكون؟

فمن »طاليس« الذي رأى أن الماء هو أصل الوجود، مروراً »بهيراكيطيس« و »أنباذوكليس« وغيرهم الذين رأوا في الهواء، ثم في التراب، ثم في النار القوة المنشئة للوجود .. وعلى الرغم من أن كل اجتهاد فلسفي منها كان مؤسساً على أساس عقلي منظم لكنها كلها تخالف بعضها أيضاً على أساس علمي وعقلي منظم.

فإذا كان الماء في تكوين كل شيء عند طاليس فبما أن الهواء أقوى من الماء لأنه يحركه فإن الهواء هو أصل الوجود، عند غيره وبما أن النار أقوى من الهواء وهي التي تصنع من الماء الحالة الغازية بالتسخين وتصنع بالهواء حالة التخلخل والتكاثف في أقوى من الاثنين .

. وهكذا وكأن التاريخ يعيد نفسه .. يأتي بعد المدرسة الطبيعية وفلاسفتها الماديين حتى يأتينا »السوفسطائيين«، ويعبر زعيمهم »جورجياس« عن عدمية مطلقة، فليس هناك أصل لهذا الوجود، لا الماء ولا التراب ولا الهواء ولا النار.

إذن ماذا ياجورجياس .. لا شـــيء.. يوجد على الإطلاق ..‍‍‍‍‍‍

طبعاً سفسطة، كأنه يروج إلى أن من سبقوه من فلاسفة محترفين وغير علميين لم يتوصلوا للحقيقة .

وهو وحده الذي توصل إليها وهي »أنه لا يوجد شيء على الإطلاق..، ليجيء بعده عصر »سقراط« شيخ الفلاسفة اليونان الذي يرد على »السوفسطائيين« ويهزم فكرهم العدمي المشكك والمشوش، تمهيداً لبروز أرقى المدارس الفلسفية اليونانية وهي المدرسة الرياضية .

كان الفيلسوف الرياضي الشهير »فيثاغورث« هو أبرز أساتذة هذه المدرسة التي توصلت بمنهج علمي تجريدي إلى أن الخالق هو اللا متناهي أو اللامحدود ورمزت له بعلامة اللا متناهي الرياضية، مؤسساً منطقه على أن الخالق لا يمكن أن يكون من نفس جنس المخلوق، ولابد أن يكون أقوى من جنس المخلوق.

ولابد أن يكون أرقى من جنس المخلوق، وبالتالي فلابد أن يكون غير مادي وغير مرئي وغير محدود القوة وليس له بداية وليس له نهاية كسائر المخلوقات وهكذا توصل »فيثاغورث« بمنهج عقلي علمي منطقي إلى العديد من صفات الخالق سبحانه وتعالى من أنه الأول والآخر والظاهر والباطن الذي ليس كمثله شيء.

وهذا يثبت أن التفكير البشري العقلاني الصافي الرؤية، والقلب السليم يمكن أن يساعد الإنسان في رحلة البحث عن خالق الوجود من خلال آيات الله المنظورة في هذا الكون الواسع سواء في الفضاء أو على الأرض.

كاتب مصري