بعد أربعة أشهر، وعقب استجواب أكثر من 400 شخصية ومراجعة حوالي ستة آلاف وثيقة، صدر تقرير اللجنة الدولية المكلفة بالتحقيق في اغتيال الشهيد رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق والتي تحمل اسم القاضي الألماني ديتليف ميليس.

التقرير جاء في 54 صفحة ومليئاً بتفاصيل مثيرة، فقد أفاد أن هناك أدلة متطابقة تقود الى تورط أمني سوري ـ لبناني في الجريمة، ولهذا طالب سوريا ــ رغم إشارته الى تعاونها مع لجنة التحقيق ــ بإيضاح جانب كبير من الأسئلة التي لم تحل، كما يزعم التقرير، والتي واجهت المحققين.

تقرير ميليس، باعتراف واضعيه، جاء في وقت سياسي عصيب غلب عليه التوتر والاستقطاب الحاد. فهل جاء موضوعياً وحيادياً وغير مسيس؟

التقرير يحمل اتهامات خطيرة ضد سوريا قد تكون لها انعكاسات أخطر ذات طابع سياسي، وهذا ما تراه دمشق التي سارعت الى التأكيد على أن تقرير ميليس ما هو إلا »بيان سياسي« موجه ضدها وانه منحاز الى جهة معينة وصفها وزير الإعلام السوري مهدي دخل الله بأنها تريد اتهام سوريا بكل شر في هذا العالم.

ولأن التقرير قد القى بشكوك حتى على الرئيس اللبناني فقد دافع هو الآخر عن نفسه في الحال، نافياً أي صلة مع مشتبه به ورد اسمه في التقرير الذي أفاد ان هذا المشتبه كان قد اتصل بلحود قبل دقائق من عملية الاغتيال.

على أي الأحوال، يمكن القول أن التقرير لم يضع كل النقاط فوق الحروف لإجلاء الأمور، أحكامه قد تبدو غير قاطعة في معانيها، وهذا ما دفع واضعيه الى القول بشكل مباشر إن التحقيقات لم تكتمل بعد.

ولكن هناك حقائق ترتبط بتقرير ميليس الذي خطف الأضواء من كل الأحداث والكوارث التي يعيشها العالم، وهي أن سوريا الشقيقة، مستهدفة من قبل صدور التقرير والسهام الأميركية والأوروبية تنهال عليها، وهذا ما يجعل البعض يسعى الى التشكيك في مصداقيته ووصفه بأنه مسيس.

وكانت هناك محاولات من بعض الأطراف المعنية في المنطقة لتسيس التقرير باعتراف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، الذي يرى أنه تقرير »تقني« وبداية للتعامل مع القضية وليس نهايتها.

لذلك فالواضح ان التقرير ليس نهائياً، والمتهم برىء حتى تثبت إدانته.

إن المهم ان توضع النقاط في النهاية فوق الحروف، وان يحدد بوضوح الجناة في تلك الجريمة البشعة التي استهدفت رمزاً وطنياً من رموز لبنان الجريح وهو الشهيد رفيق الحريري.

ومن الضروري كما قال عنان ان يتم التعامل مع تقرير ميليس بعيداً عن محاولات التسيس سواء كان ذلك داخل لبنان أو خارجه.

واذا كان مهماً كشف الجناة، فالأهم أيضاً الحفاظ على وحدة لبنان، وألا يتحول التقرير إلى أداة لضرب لبنان وسوريا معاًَ.