وكأن الفلسطينيين لم يعانوا بما فيه الكفاية، وفوق الكفاية، من العقوبات الجماعية الاسرائيلية خلال سنوات الاحتلال التي بلغت ثمانية وثلاثين عاما وبضعة شهور، فعادت الحكومة الاسرائيلية لتنفض الغبار عن هذه العقوبات، من خلال اعلانها عن اغلاق مزدوج على الضفة الغربية، وحظر تحرك السيارات الخاصة في شوارعها، ومنع دخول المواطنين الفلسطينيين الى القدس العربية والمناطق الواقعة داخل الخط الاخضر، وغير ذلك من الاجراءات التي اعتاد الفلسطينيون عليها قبل انتفاضة الاقصى، واثناءها، وبعدها وحتى يومنا هذا.
أغرب هذه العقوبات الجماعية، واكثرها قسوة في الوقت ذاته، هي حظر تحرك السيارات الخاصة في طرق وشوارع الضفة الغربية، ففي الوقت الذي سيعاني فيه المواطنون اشد المعاناة لحرمانهم من استخدام مركباتهم لقضاء مصالحهم الحيوية واليومية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي يمكن لهذا الحظر ان يحققه لجهة تعزيز ما يوصف بالأمن الاسرائيلي؟
ولا شك أن الاجابة السلبية، الواضحة منطقيا، على هذا التساؤل تبرز الصفة العقابية الظاهرة لهذا الاجراء، الذي لن يكون له من اثر يذكر على مسألة الامن الاسرائيلي المزعوم، بقدر ما سيسبب من التنغيص والتنكيد للمواطنين الفلسطينيين، الذين ليس لهم علاقة تذكر بالاحداث الاخيرة، التي استهدفت مستوطنين اسرائيليين شمال الضفة وجنوبها.
والاسوأ من هذه العقوبات - على قسوتها ولا معقوليتها - هو التوقيت الذي فرضت فيه: حيث يؤدي المسلمون فريضة الصيام في شهر رمضان المبارك.
وهم يعطون الاهمية القصوى، والاولوية الاولى، لحرية التنقل للوصول الى المساجد وزيارة الاقارب وصلة الرحم - الامر الذي يتطلب التجول الحر في ارجاء الضفة، وصولا الى القدس الشريف والمسجد الاقصى. ومن هنا فان الاغلاق المفروض على الضفة، وحرمان المواطنين من اداء الشعائر الدينية والصلوات في الحرم القدسي الشريف، يتنافى بشكل جذري مع حرية ممارسة الفرائض الاسلامية، وهي الحرية التي يفترض انها مكفولة من قبل اسرائيل التي تنادي بالديمقراطية وتؤكد التزامها بضمان الحرية الدينية للمواطنين الذي شاءت الظروف والاقدار ان يقعوا تحت احتلالها.
والمفروض ، أو المأمول المتوقع، ان تكون هذه العقوبات الجماعية قصيرة الامد، لأن التجارب السابقة اثبتت انها غير ذات جدوى في منع العنف، بل ربما يكون اثرها عكسيا، لما ينجم عنها من مشاعر الاحباط والتوتر واليأس من فرص تحقيق السلام.
ولعل المبادرة الايجابية، التي يمكن للقادة الاسرائيليين القيام بها في مثل هذه الاجواء الروحانية التي يحياها المسلمون، هي الاسراع - وعلى الفور - في رفع هذه العقوبات الجماعية العقيمة، والتوجه بدلا من ذلك الى التفاوض الجاد لاحياء العملية السلمية، وإقناع الفلسطينيين بصدق نواياهم للتوصل الى السلام العادل الذي ينهي الاحتلال والاستيطان، ويفتح صفحة جديدة في العلاقات الاسرائيلية مع الشعب الفلسطيني، صفحة تخلو من العنف والعنف المضاد، ويعم فيها الامن والاستقرار والتعايش بين شعوب المنطقة كلها، على اساس المساواة الكاملة ، والاحترام المتبادل.