جاءت وقائع محاكمة الرئيس العراقي صدام حسين، التي بدأت أول جلساتها امس، مثل واقع الاحتلال الاميركي للعراق، أي قمة الفوضى والارتباك وقمة الاخطاء الفنية والقانونية والتنظيمية.

فالصوت كان سيئا، والنقل التلفزيوني أكثر سوءا، الامر الذي أوقع المحطات الفضائية العربية منها والغربية، في حرج كبير امام مشاهديها.

الرئيس صدام حسين بدا شامخا متحديا رافضا التعريف بنفسه، او القبول بشرعية المحاكمة، ولم يجد من يتضامن معه في هذا الموقف غير نائبه طه ياسين رمضان.

أجواء السرية والتكتم حول مكان المحكمة، والاجراءات الامنية المشددة التي اتخذت لحمايتها والتأكد المفرط من كل شخص يتواجد فيها، كلها تعكس حالة الخوف والهلع التي تسود أوساط قوات الاحتلال والمتعاونين معها، مثلما تعكس مدي هشاشة العمليتين السياسية والامنية في البلاد!

ومن المفارقة إن من يحاكمون الرئيس العراقي اختاروا جريمة بلدة الدجيل التي وقعت عام 1982، وقتل فيها حوالي مئة وخمسين عراقيا اتهموا بالتورط فيها، لانها الاسهل علي صعيد تحضير الادلة والشهود، وينسي هؤلاء، والاميركان منهم على وجه الخصوص، إن هذه الجريمة وقعت عندما كان التحالف بين نظام الرئيس صدام والولايات المتحدة في افضل ايامه.

ولم نسمع او نقرأ كلمة إدانة واحدة من قبل الادارة الاميركية في حينها للنظام العراقي، لسبب بسيط وهو انه كان يخوض حربا ضد ايران، وبجيش غالبيته الساحقة من العرب الشيعة الغيورين على وطنهم وهويته العربية.

المحكمة سياسية بكل المقاييس، واحكامها النهائية مكتوبة على الحائط، وتجسد الانتقام في أوضح صوره، فما زال من غير المعروف اي قانون ستستند إليه، في مداولاتها واحكامها ولم يصدر من طرف هيئة القضاة ورئيسها اي توضيح. وهذا امر غير مستغرب فاسماء القضاة الخمسة ظلت مجهولة حتي بدء الجلسة، ولم تعلن ولم نر وجوههم والاستثناء الوحيد كان الرئيس فقط!

هناك ثلاثة قوانين مرجحة لمقاضاة المتهمين علي اساسها، القانون العراقي، او الاميركي او الدولي، واللافت ان أيا منها لم يطبق في هذه المحاكمة المهزلة.

فالقانون المطبق حاليا في العراق هو ذلك الذي وضعه نظام حزب البعث، وهو يعطي الرئيس حصانة في مواجهة اي ملاحقات قانونية، ولذلك فإن المحاكمة باطلة قانونيا في شقها المتعلق برأس الدولة على الاقل.

ومن الواضح أن المحاكمة لا تتم وفق القانونين الاميركي او الدولي، ففي الحالة الاولي يجب ان تتم المحكمة في الولايات المتحدة، او ان ينتقل قضاة لادارة المحاكمة، وهو ما لم يحدث، أما في الحالة الثانية، اي تطبيق القانون الدولي، فهذا يتطلب نقل المتهمين إلى ارض محايدة، ومحاكمتهم امام محكمة دولية، مثلما حدث مع الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش، وهو ما لم يحدث أيضا.

النظام السابق في العراق لم يكن ديمقراطيا، ولم يقل هو ذلك، وارتكب خروقات خطيرة لحقوق الانسان، ومارس التعذيب والقتل ضد خصومه، ولا أحد يجادل في ذلك، ولكن أليس من حقنا ان نسأل عن جرائم حكّام العراق الجدد وأسيادهم الاميركان؟

مئة ألف عراقي قتلوا في العامين الماضيين في القصف الاميركي، وربما ضعفهم في الحرب الاولى عام 1991، فهل قتل هؤلاء مباح لأن القاتل أميركي؟

الميليشيات التي ترتكب جرائم التطهير العرقي الطائفي في العراق، في المناطق السنية والشيعية على حد سواء، أليست لها قيادات، وبعض هذه القيادات تحتل مواقع رئيسية في العراق الجديد .

فإذا كان أبو مصعب الزرقاوي خارجا على القانون، فماذا نقول عن قادة ميليشيا بدر التي باتت تشكل العماد الرئيسي للجيش العراقي وتمارس الخطف والقتل باسم الحكومة الحالية؟

وإذا انتقلنا إلى الشمال الكردي، حيث الرئيس العراقي جلال الطالباني، فمن حقنا ان نسأل عما إذا كانت يداه غير ملطختين بدماء آلاف الاكراد الذين سقطوا في حربه على الزعامة مع غريمه السابق حليفه الحالي مسعود البرزاني، والشيء نفسه يقال عن الأخير؟

ألم تمارس ميليشيا قوات بدر جرائم في جنوب العراق ضد خصومها من رجالات حزب البعث الشيعة قبل السنة اثناء الانتفاضة الشهيرة التي اندلعت بعد إخراج القوات العراقية من الكويت، فلماذا لا يقدم المسؤولون عن هذه الميليشيا الى المحاكمة أيضا جنبا إلى جنب مع قادة الحكومة السابقة؟!

هذه المحاكمة تتعمد تحقيق هدفين اساسيين، الاول اذلال العرب في شخص الرئيس العراقي، وتحويل انظار العراقيين عن واقعهم المؤلم والكارثي تحت الاحتلال الاميركي.

فالعراق اليوم ليس افضل مما كان عليه في عهد الرئيس صدام حسين، رغم كل اخطاء النظام وانتهاكاته لحقوق الانسان، وهي اخطاء من الصعب غفرانها، ومن المستحيل الدفاع عنها.

عراق صدام حسين لم يكن طائفيا، ولم يكن ممزقا، والفساد فيه كان في أدني حدوده بالمقارنة مع فساد حكام العراق الجدد، وفوق هذا وذاك كان يملك جيشا قويا، ومشروعا علميا حضاريا، ويشكل قوة اقليمية كبرى تحافظ على توازن عسكري وسياسي في اكثر المناطق اضطرابا في العالم.

صدام حسين حارب ايران بجيش من الشيعة العرب، وبني ترسانة عسكرية وطور برنامجا نوويا بعقول ابناء العراق جميعا، دون التمييز بين طوائفهم، وتكفي الاشارة إلى فتوى السيد علي السيستاني المرجع الديني الشيعي الاعلي التي نفت تهمة الطائفية عن النظام، وان لم تنف عنه الدكتاتورية والجبروت.

ويكفي أيضا التذكير بأن ستة وثلاثين من المطلوبين والمعتقلين من أركان النظام هم من الشيعة، إضافة الى المسيحي طارق عزيز.

أين الارصدة السرية للرئيس العراقي وأسرته، وأين يخوته الفاخرة، وأين ملياراته التي هربها الى الخارج باسمه واسم اولاده، بل أين أولاده؟ ومن حقنا أن نسأل عن أموال وارصدة حكام العراق الجدد التي جمعوها في اقل من عامين وهربوها إلى الخارج، فعندما يختلف اللصوص تظهر المسروقات.

نكتب هذا من منطلق قول كلمة الحق في زمن التضليل وارهاب كل من يتجرأ علي السباحة عكس التيار الاميركي الجارف، فالعدالة الاميركية تتعمد ممارسة كل أنواع الاذلال والعنصرية ضدنا، حتي في معاملتها لـ مجرمي الحرب .

فانظروا كيف يعامل مجرم الحرب الصربي ميلوسيفيتش في لاهاي، حيث يقبع في سجن من سبعة نجوم ويتمتع بكل أنواع الرفاهية، ويظهر في قفص الاتهام كنجوم السينما في قمة الاناقة والصحة، وانظروا كيف يعامل رئيس عربي، والمظهر الذي ظهر به أمام المحكمة بالامس... ونترك الحكم لكم!