لا أجد في أي من بياني المعارضة السورية أي شيء عن إسرائيل أو أميركا أو العراق أو لبنان. فالنص في كل من البيانين ـ أحدهما صادر عن «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي يمارس معارضة داخلية والثاني عن تنظيم «الاخوان المسلمين» الذي يتخذ من لندن قاعدة خارجية له ـ محصور تماما في مطالب داخلية ضمن سياق عام يدعو إلى «التغيير الجذري والديمقراطي» في البلاد.
لا أحد ينبغي بالطبع ان يعترض على مطالبة تنظيم معارض بتوفير الحريات الأساسية في إطار الإصلاح الديمقراطي لكن تجاهل القيادات المعارضة للظروف الاستثنائية الخارجية الخطيرة التي تحيط بسوريا من كل اتجاه والتي تنبع من ضغوط إسرائيلية أميركية يعكس في أفضل الأحوال ضيق أفق وعدم اكتراث.. وفي أسوأها تواطؤا أو تنسيقا مع القوى الخارجية المعادية.
ان سوريا الوطن ـ وليس النظام الحاكم وحده ـ مهددة في صميم بقائها من قبل قوة عظمى تضع نفسها وكل ما تملك من إمكانيات ووسائل العدوان في خدمة الدولة اليهودية ومخططها التوسعي في العالم العربي وضمان بقائها ككيان إقليمي متفوق على الدول العربية والإسلامية مجتمعة.
وبعد أن أبرمت كل من مصر والأردن معاهدة سلام مع إسرائيل تبقى سوريا ولبنان الدولتين الوحيدتين المتجاورتين مع إسرائيل اللتين ترفضان تطبيعاً معها بالشروط الإسرائيلية. والهدف من الضغوط الإسرائيلية والأميركية هو إجبار سوريا تحديداً على تصالح مهين مع إسرائيل. من هنا نعرف مغزى التدخل الأميركي المباشر مدعوماً بالتدخل الإسرائيلي الخفي في الساحة اللبنانية. فالهدف المرحلي هو فصم المسار السوري عن المسار اللبناني إزاء تعامل أي منهما منفردا مع الدولة اليهودية. والخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي بالطبع التحرش بالنظام الحاكم في دمشق وإرهابه وترعيبه بشتى الوسائل.
والسؤال الذي يطرح هو: ألا يعرف قادة المعارضة السورية في الداخل والخارج على حد سواء ما ترمي إليه الولايات المتحدة وإسرائيل؟
أجل من حق المعارضة المطالبة بإصلاح ديمقراطي. لكن من واجبها أولا ان تعلن على الشعب السوري وعلى العالم قاطبة موقفا ينطوي على إدانة صريحة للولايات المتحدة وإسرائيل وتضامنا مع النظام الحاكم في دمشق في مقاومته للضغوط الأميركية ـ الإسرائيلية.
ان المفترض ان قادة المعارضة السورية يدركون أن الهدف من إقصاء سوريا عن المسرح السياسي اللبناني هو أن يخلو المسرح للاستخبارات الأميركية والموساد الإسرائيلي وأن الهدف من إجبار النظام على تصفية الوجود الفلسطيني السياسي في دمشق هو إضعاف فصائل المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة.. وبالتالي فإنهم مطالبون باتخاذ موقف عملي انطلاقا من الاعتبارات الوطنية والقومية العليا وإلا فانهم يضعون أنفسهم موضع ريبة. لقد ورد في بيان المعارضة الداخلية بصورة معممة ومبهمة ان سوريا «تتعرض اليوم لأخطار لم تشهدها من قبل..».
هذه بالطبع حقيقة ثابتة. لكن البيان يمضي ليلقي بمسؤولية هذه الأخطار على «السياسات التي سلكها النظام» عوضا عن إلقائها على المسلك العدواني المتعاظم للثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي.