تحول حدث تبرع دولة قطر بالمساعدة في بناء استاد رياضي لعرب 48 أو عرب فلسطين المحتلة منذ النكبة، أو الفلسطينيين خلف الخط الأخضر، إلى مناسبة يمارس فيها الإعلام الدولي تضليله الممنهج، وخلطه أوراق قضية الصراع العربي الإسرائيلي.
وتابعه للأسف غير جهة إعلامية عربية، بفعل سطوة التبعية الإعلامية المفروضة عليها، لدرجة أن غير صحيفة عربية لا تخجل من استعمال « عرب إسرائيل» محل عرب48 وبالمثل، يروج استخدام الأسماء العبرية للبلدات والقرى، دون وعي بخطورة مخطط اغتصاب التاريخ، وتزييفه بعد أن اغتصبت الأرض، وأعيد تشكيل الجغرافيا، على هوى المشروع الصهيوني.
ويجب أن نعترف في البداية بوجود خلل معرفي يعاني منه الإعلام العربي، ويجعله شريكا للأسف في تمرير المخطط الصهيوني، الساعي لطمس تاريخ فلسطين الحي، وتسهيل مهمة إحلال تاريخ مزيف بديل، يجعل لإسرائيل حقوقا، بدلا من إظهار دورها كعصابة إرهابية اغتصبت ارض شعب، وشردته، في أبشع عملية « تطهير عرقي» استخدمت فيها المذابح الجماعية، ونصب الإرهابيون مرتكبو تلك المذابح أبطالاً، ليس في ذاكرة إسرائيل وحدها، بل في ذاكرة العرب.
ويكفي ان نذكر بفضيحة نشر موسوعة مترجمة للأطفال، سردت خلالها قصة «استقلال إسرائيل» وليس اغتصاب فلسطين، وللأسف كوفئ موزع الموسوعة بمنصب وزاري إعلامي، في إطار سياسات المواءمة مع الإصلاح من الخارج، واسترضاء صقور اللوبي الصهيوني.
يرتبط بمفردات الخلل المعرفي الذي يعانى منه إعلامنا العربي، طرق التعاطي مع مجريات الصراع العربي الإسرائيلي، حيث تسود المصطلحات الإسرائيلية، وما يرتبط بها من أولويات، وتصبح الروايات الإسرائيلية للأحداث الجارية ، هي المعتمدة ، الا فيما ندر، وعندما تتوفر فرص التخلص من الاعتماد المطلق على مصادر الأخبار الغربية والعبرية، مع ذلك تبقى آفة التعاطي المجتزأ، الذي يجعل كل فعل فلسطيني مقاوم «للاعتداء إرهابياً».
في حين يتحول العدوان الإسرائيلي إلى مجرد رد فعل انتقامي له ما يبرره، وبسلاسة يتم التغطية على كل أشكال الإرهاب الإسرائيلي، ويعامل كوسيلة مشروعة للدفاع عن النفس. أما الضحية الفلسطيني فيعامل على انه «الارهابي» وتطالب السلطة الفلسطينية بمحاربته، كشرط لنيل شرعية الجلوس خلف موائد المفاوضات ، حتى لو تحولت الى مفاوضات حرق الوقت.
في هذا السياق ظل عرب48 منطقة مجهولة لم تحظ باهتمام إعلامنا العربي، إلا في وقت متأخر، وما زالت تتعرض لإهمال لا يليق ولا ينسجم مع خطورة المرحلة وتحدياتها، رغم أن معظم منظمات المجتمع المدني العربية والدولية أدركت مدى رقي وقوة ووعي وفد عرب فلسطين المحتلة منذ النكبة، في مؤتمر دربان بجنوب إفريقيا ونجاحه فيما فشلت فيه حكوماتنا، وانتزاعه قرارا يدمغ إسرائيل بالعنصرية.
ويدخل في باب التذكير بالبديهيات، الحديث عن المقاومة البطولية لعرب الخط الأخضر، الذين يقبضون على جمر الحفاظ على عروبة فلسطين، وهم يحملون رغما عنهم جوازات سفر إسرائيلية، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى الوقوع في خطأ إدراج التعامل معهم تحت لافتة التطبيع مع إسرائيل، غير مدركين لخطيئة المشاركة في حصارهم على الوجه الذي تريده إسرائيل، من العرب، لسد الطريق أمام أي محاولة لإيجاد ظهير داعم لمعركتهم لإسقاط المظلة العنصرية الصهيونية عن إسرائيل، وانتزاع حق العرب الفلسطينيين كأقلية تحت الاحتلال.
خلافاً لكل هذه المعطيات اعتبرت صحيفة الهيرالد تربيون في افتتاحيتها يوم 14 أكتوبر الحالي ان تبرع قطر بمبلغ 6 ملايين دولا لبناء استاد « الدوحة» الرياضي في مدينة سخنين، بادرة مشجعة وغير مسبوقة من دولة خليجية للتطبيع مع إسرائيل ومواطنيها العرب.
ولم تخرج الهيرالد عن مألوف الإعلام الدولي ، حيث عنونت وكالات الأنباء الخبر، بأنه تبرع من قطر لإسرائيل، وروجت لإفك التطبيع .