المأزق الكبير الذي تواجهه القوات الأميركية في ما أصبح يعرف بـ «المستنقع العراقي» بدأ يؤثر سلباً وبشكل واضح على سياسة الإدارة الأميركية في العراق لاسيما وأن عدد القتلى الأميركيين اقترب من الألفين في وقت لايزال يعاني الشعب العراقي من غياب مرير للأمن والاستقرار، وأن تحقيقهما لن يكون مرتبطاً بالتصويت على الدستور الجديد أو بإجراء انتخابات تشريعية أو لصلته بالعملية السياسية برمتها، وهذا ما تدركه الإدارة الأميركية جيداً بعد حوالي ثلاث سنوات من احتلال العراق.
وبناء عليه فإن الإدارة الأميركية لم تدخر جهداً منذ بدء الاحتلال لاتهام الدول المجاورة، خاصة سورية، بدعم «العنف والإرهاب» في العراق وتهديدها بالرد عليها بوسائل مختلفة بما فيها الضربات العسكرية.
ومؤخراً تحدثت الصحف الأميركية والبريطانية عن أن واشنطن عرضت على سوريا صفقة لإنقاذ دمشق من العزلة الدولية التي تواجهها أو حتى من العقوبات الدولية المحتملة إذا ما ثبت أن النظام السوري متورط بعملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. وبنود هذه الصفقة كما جاء في الصحف تتضمن ما يلي:
1. أن تتعاون سوريا بشكل كامل مع التحقيق في اغتيال الحريري وأن تسلم أي مشتبه بهم إلى محكمة دولية.
2. أن توقف سوريا كل أشكال التدخل في الشؤون اللبنانية.
3. أن تتخلى دمشق عن تمويل وتدريب المقاتلين العراقيين على أراضيها، والذين تقول واشنطن أنهم يتمتعون بحرية الحركة.
4. أن توقف سوريا كل أشكال الدعم للحركات الإسلامية المسلحة مثل حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي.
وفي المقابل، فإن سوريا يمكن أن تحصل في حال قبولها ذلك على علاقات حسنة وودية مع الولايات المتحدة وأن تتلقى مساعدات واستثمارات أجنبية وأن تضمن استمرار النظام الحاكم فيها. ووصفت الصحف هذا العرض بأنه يستند إلى ما اسمته «صفقة القذافي» في إشارة إلى الصفقة التي أبرمها الزعيم الليبي معمر القذافي مع واشنطن قبل عامين وشملت استعادة الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية كاملة مع ليبيا مقابل تسليم كل برامجها للأسلحة غير التقليدية وتعويض أهالي ضحايا طائرة لوكبربي.
فهل الإدارة الأميركية جادة في هذا الأمر وهل ستقبل دمشق العرض الأميركي؟
لقد شهدت العلاقات السورية الأميركية تراجعاً نوعياً خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديداً بعد الهجمات الإرهابية في نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001 التي أصبحت مفصلاً مهماً في بناء علاقات دولية جديدة على أسس وقواعد تختلف جوهرياً عن تلك التي سادت قبل هذا التاريخ.
والمشكلة الأساسية التي تمنع حدوث أي تقدم في العلاقات السورية - الأميركية كما أعلنتها إدارة الرئيس بوش الابن منذ توليه منصب الرئاسة وتحديداً بعد الهجمات تكمن في ثلاث قضايا أساسية هي: دعم سوريا «للإرهاب» في فلسطين ولبنان والعراق وعدم جدية النظام السوري في قضية السلام في الشرق الأوسط ومؤخراً اتهام دمشق بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري دون وجود أدلة على ذلك.
ففي حين أن الإدارة الأميركية الحالية لا تفرق بين المقاومة المشروعة ضد الاحتلال والاضطهاد والظلم وبين الإرهاب الذي تمارسه دول أو جماعات تستهدف الأبرياء من المدنيين والعزل، تصر دمشق على مشروعية المقاومة وترى أن الاحتلال سواء في فلسطين أو في العراق سبب رئيسي يقود إلى العنف والإرهاب. وهذا الأمر الخلافي تطور ليصبح عنصراً مهماً وجزءاً لا يتجزأ من الخلافات السورية - الأميركية، علماً أن دمشق تعاونت منذ نهاية عام 2001 مع واشنطن في موضوع مكافحة تنظيم القاعدة وبوقوفها إلى جانب قوات التحالف الدولي في حربها على ما تسميه واشنطن بـ «الإرهاب».
ومع ذلك فإن مسيرة العلاقات بين البلدين لم تنسجم وبات موضوع الفصائل الفلسطينية في دمشق وبيروت وحزب الله اللبناني والوضع الأمني في العراق أبرز قضايا الخلاف بينهما. من جهتها تتهم الولايات المتحدة سوريا بإيواء فصائل فلسطينية تصفها «بالإرهابية« لأنها تتبنى استراتيجية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وأهم هذه الفصائل التي يصل عددها إلى عشر حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
وبناء عليه، يشكك عدد كبير من المسؤولين الأميركيين بصدق نوايا دمشق تجاه السلام في منطقة الشرق الأوسط، وقد أعلنت رايس وزيرة الخارجية الأميركية في أكثر من مناسبة أنه من يرغب في عملية سلام لا يدعم جماعات تريد نسفها. وفي سبتمبر عام 2004 عرض مساعد وزير الخارجية الاميركي وليم بيرنز مع المسؤولين السوريين ما أسماه البيان الصادر عن سفارة الولايات المتحدة في دمشق بمكافحة الإرهاب.
واعتبر أن العنف يشكل عائقاً في طريق تحقيق رؤية الرئيس الأميركي للسلام العادل والشامل في الشرق الأوسط، مشيراً في هذا السياق إلى الفصائل الفلسطينية الموجودة في سوريا التي تتهمها واشنطن بممارسة «الإرهاب» من خلال التحريض والتجنيد والتدريب والتنسيق والتمويل وتوجيه العمليات من سوريا نحو إسرائيل.
أما فيما يتعلق بالملف اللبناني تأخذ واشنطن على دمشق دعمها لحزب الله الذي تعتبره منظمة «إرهابية» واجبة التفكيك، وقد طالبت الولايات المتحدة سوريا علناً بوقف دعمها لحزب الله وسعت دبلوماسياً في ذلك واستصدرت من مجلس الأمن ـ بالتعاون مع فرنسا ـ القرار 1559 الذي يستهدف ضمن ما يستهدف نزع أسلحة حزب الله.
وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية وسقوط النظام العراقي ثم بسط السيطرة العسكرية الأميركية على العراق بدأت واشنطن في توجيه اتهامات لدمشق بدعم الجماعات «الإرهابية» في العراق من خلال تسهيل عمليات التسلل للعراق عبر الحدود السورية وتدريب الجماعات المناوئة للاحتلال الأميركي للعراق وتوفير الدعم المادي واللوجستي، وأصبحت مسألة «الإرهابيين» إحدى أهم النقاط الثابتة على جدول أي محادثات بين الطرفين.
من جهة أخرى، يرى تيار المحافظين الجدد في واشنطن أن سوريا قبلت السلام كخيار تكتيكي للتملص من تلبية المطالب الأميركية باعتبار أن المفاوضات تمنح دمشق هامشاً تحصينياً ضد الضغوط الأميركية المتواصلة لتعديل مواقف سوريا تجاه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لاسيما تلك المتعلقة بدور إسرائيل الإقليمي. وأسس هذا التيار تحركاته على عدم الثقة في الطروحات السورية بشأن التسوية السياسية مهما أثبتت حسن نواياها، وانطلقت مفرداته وترسخت منطلقاته من ثلاثة أسس رئيسية:
أولاً: عدم جدية دمشق للتوصل إلى سلام مع إسرائيل وذلك لإصرارها على احتضان عدد من فصائل المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي السورية ودعمها مادياً ومعنوياً.
ثانياً: علاقة سوريا الوثيقة مع حزب الله اللبناني المقاوم للاحتلال الإسرائيلي، علاوة على استمرار التأثير السوري في المناحي اللبنانية المختلفة حتى بعد انسحاب كامل قواتها من لبنان.
ثالثاً: استمرار التناقض في الخطاب السياسي السوري والذي لا يتواءم مع متطلبات التسوية السياسية لاسيما أنه لايزال يرتكز على أسس قومية يتنافى مع مشروع الإصلاح الأميركي في المنطقة ويرفض التطبيع العربي مع إسرائيل قبل التوصل إلى تسوية شاملة.
والواضح أن واشنطن وتل أبيب اتفقتا على رفض طلبات دمشق المتكررة للعودة إلى طاولة المفاوضات من دون شروط مسبقة بسبب طبيعة المتغيرات التي حدثت في التقديرات الإستراتيجية للولايات المتحدة بعد هجمات سبتمبر واحتلال العراق. علاوة على ذلك فقد اعتمدت الدبلوماسية الأميركية سياسة استهداف دمشق كهدف رئيسي بعد العراق حيث لم يبق مسؤول أميركي معني بشؤون الشرق الأوسط إلا واتهم سوريا وسياساتها الداخلية والخارجية. وبالتالي أصبح السلام بين سوريا وإسرائيل يدور في حلقة مفرغة وباتت التسوية الشاملة مؤجلة حتى إشعار آخر.
وأصبح ممكناً أن تتخذ واشنطن موقفاً أكثر صلابة وتطرفاً من خلال تعديل قانون «محاسبة سورية» الذي أقره الكونغرس الأميركي العام المنصرم إلى قانون «تحرير سورية» لتكتمل التداعيات المرجوة من قبل الإدارة الأميركية الحالية على مستقبل الخارطة السياسية والاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط.
مما لا شك فيه أن دمشق لن ترفض الحوار البناء مع واشنطن حول جميع القضايا السياسية المهمة على أساس واضح يضمن المصالح الأميركية ويخدم القضايا العربية المختلفة، وهذا لن يكون من خلال عقد صفقات ثنائية على حساب المصالح الاستراتيجية السورية والعربية في المنطقة خاصة وأن المطالب الأميركية لن تتوقف عند ما سبق ذكره آنفاً بل ستتوالد تلقائياً.
إن من حق دمشق أن تنشد موقفاً عادلاً ومتوازناً من واشنطن يتعامل بنزاهة ومصداقية مع قضايا السلام في العراق وفلسطين ويتبنى موقفاً جاداً تجاه تطبيق القرارات الدولية التي تشكل أفضل ضمانة لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وأن التنازل مهما كان تبريره لن يقود إلا إلى مصير مظلم كما هو الحال في فلسطين والعراق.
isam997@hotmail.com
كاتب وباحث سياسي