تنتشر مقاهي «الستاربوكس» وما على شاكلتها كالنار في الهشيم بالكويت. ويقبل عليها الشباب من الجنسين وقد لبسوا «الجينزات» و«التيشيرتات» وبيد كل واحد منهم تلفونه النقال، والكثير منهم يحمل إلى جانب ذلك «اللاب توب» ينطلق به عبر فضاء «الانترنت» الرحب.
ومقاهي الشيشة نوع آخر أخذ يغزو المجتمع «كالوباء» ليستقطب أعداداً غفيرة من جميع الأعمار، فترى فتاة في ريعان شبابها وقد انهمكت في شفط الدخان إلى أعماق رئتيها تسلية وتمضية للوقت!! أما الفنادق وما فيها من «كوفي شوب» (وعذراً لإكثاري من تداول المصطلحات الدارجة) فهي ملتقي «اللزْكَرت» (مفردها زْكَرتي وتعني المتأنق).
غير أن تلك الأماكن على كثرتها وسعة انتشارها وأعداد روادها المتزايدين فإنها لا يمكن أن تضاهي إقبال الكويتيين على ارتياد الدواوين. فلا نبالغ إن قلنا أن في كل قطعة سكنية (القطعة تتكون من 250 بيتاً تقريباً) ما بين 10 إلى 20 ديوانية عامة غير تلك الموجودة في كل بيت تقريباً.
ولم يكن الحال كذلك في ماضي الكويت، ذلك أن تكاليف الديوانية من مبنى وأثاث وقهوة وشاي وخدمة لم تكن تقوى عليها سوى العائلات الميسورة. ومن حسن الطالع أن يد الهدم لم تطل كل تلك الديوانيات - كما حصل لمعظم مدينة الكويت القديمة في فترة الستينات -فبفضل جهود بعض المتنورين تم الاحتفاظ بمجموعة منها ما زالت قائمة على شاطئ مدينة الكويت شاهداً على تلك الحقبة.
والديوانية بعكس المقاهي الحديثة ظاهرة ما زالت «رجالية» ذلك أن جهود القلة كالدكتورة رشا الصباح ومحمد القديري لم تفلح إلى الآن في فتح هذا المجال أمام النساء. فديوانية الدكتورة رشا تقتصر على الأكاديميين على وجه الخصوص، أما ديوانية القديري فإن جل زوارها من رجال ونساء السلك الدبلوماسي. وقد يتغير حال الديوانية هذا بعد أن أقرت حقوق المرأة السياسية الأمر الذي سيدفع البعض منهن إلى ترشيح أنفسهن وبالتالي فهن سيضطررن إلى زيارة الدواوين كسباً للأصوات.
والديوانية ملتقى اجتماعي للأهل والأصحاب الكثير منها تُشرع أبوابها من أول المساء إلى منتصف الليل يومياً، والبعض الآخر منها مرة واحدة بالأسبوع أو في الأسبوعين أو في الشهر. والديوانيات اليومية هي الديوانيات الشعبية، أما الديوانيات الأخرى فغالبيتها «نخبوية» كدواوين بعض الشيوخ والسياسيين والوزراء والأدباء وأساتذة الجامعة ونحوهم. وتنشط حركة زيارة الدواوين في المناسبات كرمضان والعيدين والانتخابات ( الأمة والبلدي والتعاونيات ) فضلاً عن المناسبات الخاصة كالعزاء والأفراح وغيرها. وليس هناك أمتع من السهر في هذه الليالي، أقصد ليالي رمضان في الديوانية.
وقد عادت الديوانية لتكون رمزاً للجاه والمال مرة أخرى، إذ نلاحظ دأب العائلات الكبيرة على تأسيس دواوين بأسماء عائلاتها، والملفت للنظر أن بعض تلك الديوانيات لم تعد ملحقة بالبيت كما جرت العادة، بل أصبحت بناء مستقلاً، يتفنن أصحابها في عمارتها وحسن زخرفتها، لتكون لهم رمزاً للوجاهة ولتعبر عن مكانتهم الاجتماعية. ومن الملاحظ أن كثيراً من السفراء أو العاملين بالبعثات الدبلوماسية يزورون تلك الدواوين فضلاً عن دواوين القوى السياسية.
والديوانية مكان رحب لتناول جميع الشؤون ومنها بالطبع الشأن العام، وهي مصدر للأخبار للكثيرين، ومنها تنتقل الإشاعات. لهذا تحرص السلطة والقوى السياسية على التواصل مع الدواوين وزيارتها بالذات في المناسبات، وأصبحت لتلك القوى دواوينها المحسوبة عليها، بل أن البعض منها هي مقرات فعلية لتلك القوى. وتقام الندوات السياسية والفكرية في العديد من الديوانيات، ولا تقتصر على تلك الديوانيات «المُسيسة»، وتجرى بها حوارات بحرية تامة قل نظيرها. وفي هذا لعبت الديوانية «كمؤسسة شعبية» دوراً مهماً في تعميق الديمقراطية وممارستها على أرض الواقع.
ولعل خير معين لنا على معرفة مكانة الديوانية في نفوس الكويتيين الرجوع إلى دراسة علمية ميدانية قام بها زميلنا الدكتور يعقوب الكندري قبل تبوئه منصب عمادة كلية العلوم الاجتماعية. دراسته التي أصدرها بكتاب تحت اسم: «الديوانية الكويتية، دورها الاجتماعي والسياسي» تقول بأن 76% من أفراد العينة يعتقدون بأن الديوانية مكان لا يمكن الاستغناء عنه.
ويرى أكثر من 92% من هؤلاء بأن بإمكانهم التعبير فيها بصراحة مطلقة، و85% منهم حتى بوجود المسؤولين الذين يدور الحديث عنهم. ويوافق بشدة أكثر من 87% على أنهم قد سمعوا أخباراً من الديوانية لم يسمعوها في مكان آخر.
وما تلعبه الديوانية في حاضر الكويت قد لعبته في ماضيها، فقد كانت الديوانية المكان الذي انطلقت منه كل مشاريع بناء مؤسسات المجتمع المدني الحديثة، فمشروع تأسيس أول مدرسة في العام 1912 بدأ منها، وكتابة أول عريضة لتنظيم وتقنين السلطة في العام 1921 تم في إحداها، وانتخابات المجلس التشريعي في العام 1938 جرت في واحدة أخرى وغيرها الكثير. هذا عدا عن النشاطات الاجتماعية والخيرية التي يضيق المقام لذكرها.
بين الملتقيات الاجتماعية الحديثة على شاكلة «الستاربوكس» ومقاهي الشيشة و«الكوفي شوب» الفندقية الأنيقة وغيرها، وبين الملتقى الاجتماعي التقليدي المتمثل بالديوانية صراع خفي وتنافس على الرواد ستكون الغلبة فيه والكلمة الفصل قانون الحياة الأزلي وهو البقاء للأصلح.
alyusefi@hotmail.com
كاتب كويتي