عاد الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، إلى الواجهة. لكن هذه المرة من قفص الاتهام ومثوله أمام العدالة. محاكمته التي بدأت أمس، بعد 22 شهراً على اعتقاله، خطفت الأضواء؛ على امتداد الساحات العراقية والعربية والدولية. وكان ذلك أمراً طبيعياً ومتوقعاً. فالرجل حكم البلد لفترة ثلاثة عقود، كانت ملطخة ومثقلة بالحروب وبممارسة السلطة بالحديد والنار؛ أدّت إلى وقوع العراق في الحالة البائسة الغارق فيها منذ سنوات.

الآن جاءت لحظة المحاسبة للطاغية ولحقبة حكمه. وهي بالطبع، مثيرة ونادرة، ومن هنا التسميات الكبيرة التي أطلقت عليها: «محاكمة العصر» و«محاكمة القرن الواحد والعشرين» و«أم المحاكمات».. فلا شك أنها بحد ذاتها حدث. ذلك أنها ربما كشفت عن الكثير وانطوت على الأكثر.

بيد أنه بعيداً عن صخب اللحظة وما فيها من إثارة، لجهة الوقائع والأحكام المحتملة وما بينهما من جلسات ومرافعات؛ فإن هذه المناسبة قد تشكل فرصة؛ ليس فقط لطي صفحة سوداء ـ حمراء من تاريخ العراق، لكن أيضاً لتكون بداية فصل جديد على طريق الخلاص وقيام عراق جديد موحد ومرتكز على القانون والمؤسسات. فرصة، من جهة، لكي تأخذ العدالة مجراها الطبيعي حسب الأصول؛ بحيث تكون هذه المحاكمة اللبنة الأولى في مدماك البناء القانوني ورد الاعتبار إليه.

وما أحوج العراق إلى ذلك في لحظته الراهنة؛ حيث لا اعتبار إلا للقوة العارية، ولا حضور إلا لشريعة الغاب، ثم أنها فرصة لجهاز القضاء العراقي لاستعادة صدقيته وهيبته؛ بعد طول غياب، لا بل بعد الانتهاكات الفظيعة التي تعرض لها وما أدّى إليه ذلك من تهميش وتعطيل. وما يزيد من التحدي المطروح بوجه هذا القضاء هو أنه ينظر الآن في قضية مشحونة بمقادير من عوامل التأزيم والانفعال والتوتر يندر أن تجتمع في ملف قضائي واحد.

وهي حالة يصعب على محكمة عادية في حالة طبيعية أن تتعامل معها بالصورة المرتجاة. ذلك أن الحياد والموضوعية ناهيك عن القدرة على ضبط ميزان العدالة في هكذا قضية؛ أمر يلامس المعجزة. أما خارج ساحتها القضائية فإن هذه المحاكمة تقدم أيضاً فرصة سياسية، فهي على الأقل قد تساعد على ترميم بعض التصدع في الساحة الوطنية النازفة؛ وذلك من بوابة أن العراقيين بغالبيتهم الساحقة وعلى اختلاف أطيافهم السياسية وولاءاتهم؛ يلتقون عند أمر واحد على الأقل؛ وهو خصومتهم للرئيس السابق والارتياح لوجوده في قفص الاتهام، أخيراً.

وهذا الاصطفاف، على اختلاف حساباته واعتباراته، يشكل نقطة تقاطع يمكن تطويرها إلى نقطة التقاء تصلح للبناء عليها باتجاه توسيع القواسم المشتركة؛ إذا توقفت الحسابات الضيقة عن التحكم بالمواقف والحسابات لمختلف الأفرقاء، عندئذ تكون محاكمة صدام تطوراً من النوع الذي يقدم للعراق خدمة، ولو غير مقصودة.