الاغلاقات التي تمارسها اسرائيل في الضفة الغربية على خلفية العملية التي أودت بحياة ثلاثة مستوطنين لن تضيف على الوضع غير مزيد من التعقيدات، وهذه طريقة جربتها اسرائيل مرارا وتكرارا من دون فائدة تذكر، وما زالت عملية اعادة احتلال الاراضي الفلسطينية كلها ماثلة في الأذهان وكأن أيا من الاطراف لم يأخذ العبرة بدليل هذ التكرار الممل للأحداث الدامية التي تعيدنا دائما الى المربع الاول كلما كنا على وشك التقدم نحو المفاوضات أو الانفراجات وغير ذلك من المبادرات التي قد تجمع الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي على الطاولة.
لذلك يبدو الانتقام هو العنوان الحقيقي للاجراءات الاسرائيلية لجعل الفلسطينيين يدفعون الثمن مضاعفا، واذا كانت الموضوعية تدفعنا الى طرح اسئلة مشروعة حول توقيت بعض العمليات التي تقوم بها منظمات فلسطينية من منظور الحسابات الفلسطينية الخالصة، ذلك ان تنفيذ عملية من النوع الذي فجر المشكلة الراهنة في الوقت الذي يبدأ فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس جولة أوروبية قبل ان يصل الى واشنطن لاجراء محادثات مع الرئيس الامريكي جورج بوش لا يمكن ان يكون مجرد صدفة غير محسوبة.
الخلافات الفلسطينية طافية على السطح وما يجري في قطاع غزة يدلنا على وجود صراع سياسي عميق، والجهود المبذولة حتى الان لمنع تطور الخلاف الى صراع مسلح معروفة تشارك فيها قوى محلية واخرى خارجية وخاصة مصر التي تقوم بجهود مشكورة للم شمل اطراف المعادلة الفلسطينية أو أعضاء البيت الفلسطيني الواحد، ولكن ما يجب الانتباه اليه هو أنه لا يمكن غض النظر عن وجود معادلة اسرائيلية اميركية تقوم على فكرة القضاء على المسلحين الفلسطينيين والتعامل معهم على انهم »ارهابيون« أي ان الممارسات الاسرائيلية تندرج في نطاق الحرب الامريكية على الارهاب وليس في نطاق الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
ولسنا هنا نحمل المسؤولية لجماعات فلسطينية بعينها، وانما نحاول ان نقول بكل الصدق والمحبة ان الحسابات الخاطئة لا بد ان يعاد النظر فيها خاصة اذا كانت بعض التصرفات تضر فقط في الموقف الفلسطيني وتصب في مصلحة الموقف الاسرائيلي، واذا كان لا بد من الاجابة على الاسئلة المتعلقة بالتصرفات الاسرائيلية فتلك هي المشكلة الصعبة والمعقدة فعلا، ذلك انه من العار ان تمارس اسرائيل كل هذا القتل وكل تلك الجرائم من دون ان تواجه برد فعل موازن للفعل الذي تقوم به غير آبهة بالنداءات الداعية لوقف العنف وتهدئة الاجواء وفتح السبيل امام فرص السلام التي تتيحها خريطة الطريق.
لكن للمسألة جوانب اخرى لا تتعلق بالجانب الاسرائيلي بقدر ما تتعلق بالجانب الفلسطيني نفسه وخاصة الاختبار الذي يتعرض له الفلسطينيون امام المجتمع الدولي الذي ينتظر بفارغ الصبر ظهور اي ملامح تشير الى انهم قد بدأوا مسيرة اقامة الدولة المستقلة بعد الانسحاب الاسرائيلي من غزة ومن بعض مناطق الضفة الغربية، فالعالم يريد ان يرى قدرة الفلسطينيين على انشاء كيانهم الحضاري المأمول ، وللاسف فان بعض المظاهر الحيوية مثل الانتخابات البلدية والديمقراطية الملموسة في المجلس التشريعي، وقبل ذلك انتخاب الرئيس وتشكيل حكومة وفق معايير عالية الحس السياسي تتلاشى كلما اطل السلاح برأسه في غير مكانه او موعده.
تلك هي جوانب من المشكلة ولكن المأساة الحقيقية تتمثل في العقلية البائدة التي تدير فيها الحكومة الاسرائيلية العلاقة مع الجانب الفلسطيني ومع المساعي الاقليمية والدولية الباحثة عن مخرج من تلك الدائرة المغلقة والشريرة، ذلك انها اقرب واكثر متعة حيث تتعامل مع الجماعات الفلسطينية المسلحة على قلتها ومحدودية امكانياتها وتأثيرها من ان تتعامل مع الصراع كدولة معتبرة.