احتلت دبي مكانة تجارية واقتصادية، وتطوّر دورها الفعال في ذلك بما تقدمه من امتيازات وتسهيلات لحركة التجارة والاقتصاد، وتحولت إلى مركز عالمي للمعارض والتجارة، وأصبحت مقرا للكثير من الشركات العالمية التي تدير أعمالها الخاصة بالمنطقة من موقعها في دبي. وقد شقت دبي طريقها في كل ذلك كنموذج خاص بعيدا عن استلهام أي نموذج شرقي أو غربي.

وهي قادرة اليوم على تكريس مكانتها كنموذج مختلف ومستقل بما تملكه من إمكانات وبما تقدمه من خدمات. الأمر الذي يحتم عليها وضعاً خاصاً متميزاً يتناسب مع كل ما حققته. لذلك كانت الحاجة ماسة إلى تطوير الأداء الحكومي فيها.

المؤسسات الحكومية في دبي لم تعد كالسابق محصورة في تعاملاتها مع أفراد ومؤسسات داخل المجتمع ووفق معايير محلية محدودة. بل أنها أصبحت تتعامل مع آخرين، أفرادا ومؤسسات، عالميين ينتمون لبلدان مختلفة تتباين في ثقافتها وأنظمتها الإدارية وأجهزتها الحكومية التي ربما تفوقنا في أدائها أو ربما تتخلف عنا.

وأصبحت تلبية حاجة المستثمرين والمقيمين أمرا ضرورياً من اجل الحفاظ على دبي كبيئة جاذبة، ومن اجل خلق مكانة متميزة تضع دبي بين مصاف مدن العالم المتقدمة. نقرأ تقارير اقتصادية تعقد مقارنات بين إمارة دبي ومدن ودول أخرى تفوقها مساحة وإمكانات.

ويشير معظم تلك التقارير إلى قدرة دبي التنافسية من خلال التسهيلات والخدمات والأنظمة التي تقدمها رغم صغر حجم السوق فيها مقارنة بغيرها من المدن. هذه التسهيلات والأنظمة هي التي جعلت دبي المفضلة لغالبية الأفراد والمؤسسات. لذا فإن الحفاظ على هذه الميزة إلى جانب غيرها من المميزات مسؤولية كبيرة لابد وان يتحملها الجميع، أفرادا ومؤسسات ومسؤولين في القطاع الحكومي.

المجلس التنفيذي في دبي وافق مؤخرا على المرحلة الأولى من استراتيجية دبي بشأن التطوير الحكومي بمكوناتها الأساسية التي ترتكز على النظرة المستقبلية والتفكير الاستراتيجي، والنظام الإداري المتكامل، والالتزام بمعايير الشفافية ومكافحة الفساد الإداري والوظيفي والمالي، والتميز في خدمة المتعاملين، والاهتمام بالموارد البشرية وتنميتها.

ومن يتأمل مكونات هذه الاستراتيجية يدرك أنها مقومات نجاح أي بيئة اجتماعية واقتصادية. ويجد أنها المعايير التي يُحتكم إليها في تقييم المؤسسات المجتمعية وقدرتها على التنافس. ويدرك ان التقصير في هذه المكونات هو السبب في ضياع الفرص على كثير من المدن بسبب تفشي الفساد الإداري والمالي فيها و البيروقراطية وتدني خدمة المتعاملين ومستوى الموارد البشرية.

لذا فإننا نعتبر اعتماد المرحلة الأولى من استراتيجية دبي بشأن التطوير الحكومي مسؤولية «متجددة» لابد وان يتحملها الجميع ممن يسعون لخدمة الوطن، وممن يتطلعون لتكريس مكانة دبي كما بدأت مبكرا وكما خططت لتكون مستقبلا. وهو ما يعني ضرورة بذل الجهود لمعالجة المشكلات الحالية في القطاع الحكومي وعدم اتخاذها أعذارا للحديث عن معوقات لوقف العمل والتطوير.

ولا يعني ذلك اننا ننتقص أداء أجهزة الإمارة الحكومية التي أثبتت كفاءتها خلال السنوات الماضية وساهمت فيما وصلت إليه دبي، لكننا نطالب بمزيد من التطوير الذي يتناسب مع تطور الإمارة السريع والمطرد.

فنجاحات دبي التي حققتها في المرحلة السابقة لا بد ان تكون الدافع الأكبر للحفاظ على المستوى الذي وصلت إليه، والتطلع إلى مستويات أفضل من خلال تجاوز العراقيل التي من الممكن ان تعوق خطط الإمارة وتضيّع عليها فرصا هي جديرة بها أكثر من غيرها.

maysaghadeer@yahoo.com