إذا أردت أن تعرف ملامح صورة عراق ما بعد «الاستفتاء» فانظر في صورة أفغانستان ما بعد الانتخابات: شلل شامل للحياة المدنية في بلاد أصبحت من أقصاها إلى أقصاها ميدان قتال وعلى رأس السلطة رئيس جمهورية يستمد قراراته من السفير الأميركي وحمايته من قائد القوات الاحتلالية.
أجندة الإدارة الأميركية في العراق هي أجندتها في أفغانستان، فالهدف من الاستفتاء على مسودة الدستور العراقي هو التمهيد لعملية انتخابية تفرز طاقما سلطويا على رأس أولوياته «مناشدة» القوة الاحتلالية الأميركية البقاء على أرض العراق لأجل غير مسمى من اجل القضاء المبرم على «فلول الإرهاب» حتى تستطيع إدارة بوش ان تقول لشعبها وللعالم .
إن بقاء الاحتلال مدعوم بإرادة وطنية عراقية ولا يهم ان الاستفتاء على الدستور وما سيعقبه من انتخابات عملية تجرى في غياب السيادة الوطنية.
الوضع في العراق لن يتغير إلا إلى الأسوأ ومرة أخرى انظر في الصورة الأفغانية فبينما تلاشى نهائيا الحديث عن «إعادة الإعمار» فشلت هيئة المعونة الأميركية الدولية حتى في اقامة منشآت لتلبية ضرورات الحياة اليومية من الخدمات الصحية وامدادات الماء النقي والتيار الكهربائي.
فالاعتمادات المخصصة للهيئة يصرف معظمها على الخبراء والفنيين الأميركيين أنفسهم كرواتب وامتيازات، وانتشار البؤس بين الأفغان لا يعادله إلا غياب الأمن الشخصي وفي هذه الأثناء ينهمك أمراء الحرب الذين تتحالف معهم القوة الاحتلالية الأميركية في زراعة الأفيون وتصديره إلى الأسواق العالمية.
وفي العراق كما في أفغانستان يبدو أن القوات الأميركية متورطة في حرب بلا نهاية مع تعاظم قوة المسلحين الرافضين للاحتلال، ولنعد الى الأذهان انه رغم مرور أربع سنوات على الحرب في أفغانستان وسنتين على الحرب في العراق لم تتمكن قوات الاحتلال حتى الآن من كسر شوكة القوى الوطنية.
والخسائر الأميركية على الصعيد السياسي الاستراتيجي في العراق ليست بأقل فداحة من الخسائر العسكرية. فالدعم المتصل الذي ظلت تقدمه ادارة بوش للمنظمات الشيعية لمواجهة المقاومة المسلحة يتحول الآن بالتدريج الى مكاسب شيعية سلطوية تمهد الطريق على المدى المتوسط لقيام نظام اسلامي متحالف مع إيران.
ومع ذلك يقول الرئيس بوش ان الولايات المتحدة لن تسمح بتكرار التجربة الفيتنامية أي انسحاب القوات الأميركية بقرار أميركي أحادي. لكن الرئيس ينسى ان قرار الانسحاب الأميركي من الأراضي الفيتنامية لم يكن طوعيا وانما كان اضطراريا بعد ان حاقت الهزيمة الحاسمة بالولايات المتحدة ومقتل 85 ألف جندي أميركي.
وينسى الرئيس الأميركي أيضا أن من أقوي أسباب الانسحاب من فيتنام الاستنزاف المالي الذي نقل الاقتصاد الوطني الأميركي إلى حافة الإفلاس.وهذا ما يتكرر ويتفاعل الآن بسبب انفاق متعاظم على حربي أفغانستان والعراق بمعدل ستة مليارات دولار أسبوعياً.