تطفو على سطح كل بلد، وفي كل مكان اجتهادات حول أسلوب القيادات، وحول إدارة الحكم وفنون التعامل مع القضايا المؤثرة.
نقرأ كل يوم في صحافة العالم عن تباينات في الطرح واختلافات في الأسلوب واعتراضات على سياسات ويتم معالجتها باللجوء إلى المرجعية الدستورية التي هي الحكم النهائي للبت في الاختلافات.
ومثل دساتير الدول الراقية يحتوي الدستور الكويتي على بنود جوهرية تحدد الطريق السليم المؤدي إلى الحلول، وضوابط الدستور هي القاعدة التي يرتكز عليها نظام الحكم، تمت صياغتها بلغة سهلة وواضحة، لا تترك التباساً يسبب الشوشرة وترتفع أهميتها عند الاختلاف في الاجتهادات.
نجد في دستور الكويت ثلاث حقائق:
أولاً: أن سمو الأمير هو الساهر والضامن لأمن الدستور والمحافظ على سلامته والواعي لفعاليته، وقد كان موقف سمو الأمير تجاه الدستور رائعاً في الالتزام ببنوده وبروحه وفي تقدير سموه لحيويته.
ثانياً: أن الدستور موضع إجماع عام يضم كل المؤسسات ويتمتع بولاء جماعي رسمي وشعبي، وهو الحضن الذي يضم الحياة بكل جوانبها سياسية وغير سياسية.
ثالثاً: أن أحكام الدستور تنال القبول من الجميع، فالبنود التي حددها هي القاطع والفاصل لكل الخلافات، يرضى بحكمه المختلفون ويتقبل نتائجه بكل فئاته.
ولا يوجد أبلغ من رسالة سمو الأمير التي نقلها جاسم الخرافي رئيس مجلس الأمة إلى النواب وجوهرها التمسك بالدستور والسير على هديه واتباع مبادئه والالتزام بنهجه الذي سارت عليه الكويت في حياتها الدستورية.
وتشتمل الرسالة الدستورية
1 ـ توجه سمو الأمير لحسم الأمور لما فيه مصلحة الكويت وأمنها واستقرارها قريباً جداً.
2 ـ تجديد ثقة سمو الأمير الكاملة بسمو رئيس الوزراء الشيخ صباح الأحمد الجابر، والتقدير لكل ما يقوم به.
3 ـ دعوة سموه النواب التزام الهدوء.
وجاء استقبال مجلس الأمة برئيسه ونوابه بمستوى حساسية الأحداث، فجاء تجديد الولاء لسمو الأمير والتمسك بالدستور وبمواده التي أكدت أن كل ما يتعلق بموضوع إدارة البلاد محصور بسمو الأمير.
والتمني بحسم الأمور بالطريقة التي فيها مصلحة الكويت وأهلها وألا تترك المواضيع معلقة بهذه الصورة.
وتصوري أن واقع الكويت اليوم أكثر صلابة من الأمس القريب، فسمو الأمير حسم الجدل وجدد الثقة وسمو رئيس الوزراء نال مجدداً تفويضاً قائماً على الثقة والتقدير، وسيزيد من تصميمه على مواصلة العطاء.
وخرجت الكويت أكثر التزاماً بالدستور وبقناعة شاملة في فعاليته كمرجع للاحتكام.ونرى بأن سمو الشيخ سالم العلي في حديثه الهاتفي مع السيد رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي يتحدث عن مسؤولية الرئيس «الخرافي» في المحافظة على الدستور، ويقول له: (نحن نريدكم أن تحرصوا على الدستور).. كما جاء في صحيفة الرأي العام في عددها يوم الأربعاء 12 أكتوبر الجاري.
نحن نريد سمو الشيخ صباح الذي لابد ان ندعمه في مشروعه الكبير، أن يجند طاقات الدولة بعد هذه الثقة الأميرية العالية، والتقدير الواسع، من أجل تثبيت سيادة القانون وذلك بفرض احترام القواعد والضوابط، وان نرى العهد المتجدد يرسخ هيبة الدولة. وقوانينها، ويوقف التعدي والاستخفاف بحقوق الدولة وأملاكها، ويعمل على اجتثاث الفساد.
وأهم شيء البدء في تفكيك مؤسسة الوساطة التي صارت مؤسسة مخيفة تجاوزت القانون وأضاعت الأولويات وقضت على التخطيط السليم، ونتمنى أن تجدد الكويت حيويتها بوضع استراتيجية أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية، تهدف لضبط التركيبة السكانية وإنهاء التسيب في تنفيذ اللوائح وتطبيق القانون.
مشاكل الكويت تنبع من داخلها، ومن السهل التعامل مع هذه المشاكل طالما أن الأمن الوطني والمحافظة على الاستقرار والسيادة مضمون لسنوات طويلة.
لابد من الإشادة بالأداء المرتفع الذي قدمه السيد جاسم الخرافي رئيس المجلس الذي حافظ على وقار المجلس وتسلح بالدستور في مشاركته في الاجتماعات الحاسمة التي شارك فيها، ولا نشك أبداً بأنه مدرك بأن المقترحات التي تصب نحو تشكيل لجان أو مجموعة حسن النوايا لا مكان لها في صلب الدستور، وسمو الأمير سيد الجميع معروف برزانة العقل وحكمة الاعتدال.
ومع الحيوية التي سترافق سمو الشيخ صباح في الفصل المقبل، نتطلع إلى حكم القانون وزوال الخراب الذي سببته مؤسسة الوساطة.
رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ـ الكويت