تمثل العلاقة بين الأطفال والتلفزيون موضوعا مهما من الموضوعات التي يعكف على دراستها وتحليل آثارها ونتائجها عدد كبير من المهتمين والمتخصصين في مجالات معرفية مختلفة كالتربية وعلم النفس والاتصال الجماهيري وعلم الاجتماع.
وقد أخذت هذه العلاقة منذ سنوات تشكل ظاهرة تثير قلقا متصاعدا في كثير من البلدان مما أدى إلى تكثيف الجهود والدراسات والكتابات التي تبصّر الناس بالآثار التي يمكن أن تحدثها التجربة التلفزيونية على جمهور الأطفال، على الرغم من صعوبة تحديد هذه الآثار والتأكد من مدى عمقها في تكوين الطفل النفسي والعقلي والعاطفي.
ونود - بدءا- أن نشير إلى أنّ الموقف العام من التلفزيون عند الكثيرين منا تشوبه مشاعر السلبية والرفض، ولعل السبب في ذلك يكمن وراء تاريخ هذا الجهاز والكيفية التي دخل بها حياتنا والصفة التي أضفيت عليه فأصبحت ـ من ثم ـ جزءا من ثقافة جمعية يتعارف عليها المجتمع ويقرها ويسلم بحقيقتها.
فالتلفزيون ـ كما يقول إيريك بارنو في كتابه الذي تحدث فيه عن تاريخ صناعة التلفزيون «قد دخل ثقافتنا وتغلغل في أعماقها وسيلةً من وسائل التسلية»، والحديث ـ وإن كان عن الثقافة الأميركية ـ لا يختلف في معظم ثقافات العالم.
وهذا التصور الذي تتوارثه الأجيال عن التلفزيون يولد ذلك الموقف الذي أشرنا إليه آنفا من الرفض غير المعلن والسلبية؛ فجلوس المرء أمام جهاز التلفزيون لساعات طويلة يعني في تصور الكثيرين أنه يقضي وقته في التسلية.
وأنّ هذا الفعل لا يمكن أن يقارن بالأنشطة التي تؤدي إلى النماء والتطور والإحساس بالإنجاز. إنه تجسيد للسلبية وانعدام الفعل الإيجابي الذي يحقق الرضا أو الشعور بالراحة والسعادة.
ولعل هذا الذي يجعل الناس يتحدثون عن تجربتهم في مشاهدة التلفزيون بأسف أو شعور بالندم أو الذنب، وقد عرضت ماري وين في كتابها «الأطفال والإدمان التلفزيوني» والذي نشر ضمن سلسلة عالم المعرفة لتجارب كثيرة تحدث فيها أصحابها عن مشاعرهم الداخلية أثناء مشاهدة التلفزيون ومحاولة الانعتاق من أسره، من ذلك ـ مثلاً ـ ما يقوله موجه للغة الإنجليزية:
«إنني أشعر بأن التلفزيون لا يقاوم تقريبا؛ فأنا لا أستطيع تجاهل الجهاز حين يكون مفتوحا. ولا أستطيع إغلاقه. أشعر بأن حيويتي مستنزفة، وأنني واهن بلا إرادة. وحين أتحرك لإغلاق الجهاز تخور قواي. وهكذا أجلس أمام التلفزيون ساعات وساعات».
فإذا كان هذا تأثير التلفزيون على الكبار الناضجين فما تأثيره على الصغار الذين ما زال الطريق أمامهم طويلا لتصبح لهم رؤى واضحة عن الأشياء والحياة والناس، والذين يتأثرون تأثيرا مضاعفا بالمؤثرات الخارجية المختلفة نظرا لهشاشة تكوينهم وضعف قدرتهم على الأخذ بزمام أنفسهم؟
إن الدراسات الحديثة في هذا الموضوع تشير إلى أنّ الطفل اليوم يقوم على تنشئته وتربيته ثلاثة آباء:
الأب والأم والتلفزيون، حتى إن بعضهم أطلق على التلفزيون اسم «الأب الثالث».
والسؤال الأول الذي يواجهنا في هذا المقام هو : ما الذي تقوله كثرة مشاهدة الأطفال للتلفزيون؟ أي ما الخلل الذي تشير إليه مباشرة؟ أهو خلل في الأطفال أنفسهم أم هو خلل في الآباء وطرق تعاملهم مع أطفالهم؟
إن معظم الدراسات تؤكد أنّ هذا الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بدور أولياء الأمور في توجيه أطفالهم، ووجودهم الحقيقي والدائم والفاعل في حياتهم، إنها تشير من طرف خفي إلى أنّ الآباء قد تنازلوا عن هذا الدور لمعدي البرامج التلفزيونية حتى أصبح لهذا الجهاز حضور طاغ وأولوية عليا قد تتجاوز أحيانا أولويات مهمة وأساسية في حياة الصغار.
وقد بدأ أولياء الأمور أنفسهم يشعرون بوطأة الضغط الذي يمارسه التلفزيون على أبنائهم وبالسيطرة المطلقة التي يمتلكها في ملء أوقاتهم، فظهرت محاولات من طرف الكثير من الآباء الواعين لتحجيم أثر التلفزيون في حياة أبنائهم واستعادة السلطة منه. ولكن هذه المحاولات - في معظمها- لم تنجح فقد شب الصغار عن الطوق وأصبح من العسير على آبائهم الآن أن يعيدوا تنميط حياتهم وفق الرؤى التي يجدونها نافعة ومفيدة.
ويجدر بنا أن نوضح هنا أنّ الحديث عن التلفزيون وأثره في الأطفال لا يعني المضامين التي يشاهدها الصغار، فهذا موضوع آخر ، إنما القصد هنا هو التجربة التلفزيونية في ذاتها بغض النظر عن مضمون ما يشاهده الطفل.
إن التجربة التلفزيونية، أي تجربة الاستسلام لهذا الجهاز ومتابعة ما يعرض عليه، لها في ذاتها آثار جسدية ونفسية وعقلية وعصبية وعاطفية على المشاهد، ويبقى مضمون ما يشاهده بعد ذلك بعدا إضافيا آخر يستحق الوقوف عنده وتأمله.
إن أول مظاهر التأثير التي يلحظها الآباء على أبنائهم وهم يشاهدون التلفزيون هو الاستلاب التام لما يعرض على الشاشة، فكثير من الآباء يشكون من الانقطاع شبه التام الذي يعانيه أبناؤهم حين يجلسون أمام جهاز التلفزيون، بل إن بعضهم يشير إلى أنه يحتاج أن يصرخ أو أن يقف أمام الجهاز لينتزع ابنه من حالة الانقطاع المطلق عن الواقع والتعلق بالشاشة المضاءة.
وقد فسرّت الدراسات هذه الحالة بأنّ النشاط العقلي المبذول في ذهن الطفل هو نشاط ضئيل جدا، وبأن هذه الحالة تشبه إلى حد كبير حالة التخدير أو التنويم التي تعطل معظم العمليات الذهنية النشطة التي تشترط وعيا وجهدا عاليين.
ولعل هذا يفسر حدة الطبع التي يلاحظها الكبار على الصغار عقب انتهاء مشاهدتهم للتلفزيون؛ فهم غالبا ما يعبرون عن ضجرهم ومللهم، ويبدون مماحكين سيئي الطباع، تسيطر عليهم حالة من الاستياء والتذمر.
فكأن أثر التخدير قد زال عنهم فهم بحاجة إلى مرحلة انتقالية ليعودوا بعدها إلى عالم الواقع. إنّ ملاحظة سلوك الأطفال أثناء المشاهدة وبعد انقضائها تعطي إشارات دالة للوالدين تشير إلى أنّ التفاعل مع الشاشة الملونة لا يخلو من تأثيرات عميقة في عقل الطفل ووعيه وإحساسه.
جامعة الامارات