نجح العراقيون في الرهان الديمقراطي الثاني بإجراء الاستفتاء على مسودة الدستور، وبمشاركة قد تصل إلى 70% من الناخبين العراقيين بما فيهم السنة، وهذا يمثل انتصاراً لخيار العمل السياسي السلمي لتحديد مستقبل العراق.

ومع أننا نكتب هذا المقال قبل فرز نتائج الاستفتاء على مسودة الدستور، وبالتالي قد يرفض أو يقبل الدستور المقترح، فإن التطورات المتتابعة المتصلة بصياغة مسودة الدستور، والجدل الذي صاحبها ثم التصويت في الاستفتاء على تلك المسودة، لابد أن يتم تقييمه كعملية سياسية ستفضي لجملة من النتائج يمكن ان تكون ذات طابع إيجابي أو سلبي.

ولكن أهم ايجابيات عملية مناقشة واقتراع والاستفتاء على مسودة الدستور العراقي هي أنها أول تجربة عربية تشترك معظم القوى السياسية المختلفة ومن خلفها الشعب العراقي في حوار ونقاش سياسي حر وسلمي حول هوية وطبيعة الدستور الذي سيحدد طبيعة شكل الحكم وماهية السلطات الثلاث.

واختصاصاتها وعلاقاتها ببعض، وحقوق المواطنين وحرياتهم، والدستور كقانون أساسي للحكم له أهمية جوهرية في رسم حياة الشعوب ومستقبلها السياسي.

ومن المؤسف انه عادة ما يتم في الوطن العربي إصدار الدساتير دون إرادة الشعوب، أو عبر استفتاء أو مشاركة شكلية، وبالتالي ورغم كل ما قيل ويقال عن التدخل الأميركي في صياغة ووضع مسودة الدستور العراقي، فلاشك أن مشاركة معظم القوى السياسية العراقية، خاصة الشيعية والكردية هو الذي حدد الشكل النهائي لمسودة الدستور.

وربما من نافلة القول الإشارة إلى ان القوى السياسية التي ساهمت بدور أكبر في صياغة مسودة الدستور حاولت ان تعظم وتعزز من مكاسبها السياسية، خاصة في ظل غياب أو ضعف كل من القوى السياسية العلمانية أو السنية.

وهذه هي طبيعة العمل السياسي، فقطعاً الاعتقاد بحتمية الوصول الى اجماع في العمل السياسي هو اعتقاد خاطئ ومستحيل، إلا اذا كان ذلك الإجماع معتمداً على الإجبار أو الإكراه، كما يحدث في النظم السياسية التسلطية، أو بعض الديمقراطيات الشكلية.

ولذا فإنه على أحسن افتراض، اذا ما تم إقرار مسودة الدستور في الاستفتاء الأخير، فإن أفضل خيار لتحقيق استقرار العراق هو أن تعمل القوى السياسية المختلفة في العراق على الوصول إلى حد أدنى من التوافق، والذي يمكن ان يتحقق أولاً بالوصول إلى مصالحة وطنية تدفع بالقوى السياسية السنية المعتدلة للاندفاع في العملية السياسية السلمية.

ويمكن لهذه القوى، بالإضافة إلى القوى العلمانية ان تعزز مواقعها في الخريطة السياسية العراقية عبر استغلال التحول الديمقراطي النسبي في العراق لتكون وسيطاً بين فئتين متناقضتين يجمعهما العداء لصدام وماضيه الديكتاتوري.

ونقصد هنا بالفئتين القوى الشيعية العربية والأكراد. لذا فإن ضمان تحقيق إيجابية إقرار مسودة الدستور اذا ما تم ـ ستكون مرهونة بعقلانية وفاعلية تحرك القوى المعتدلة سواء كانت قوى سياسية شيعية أو سنية أو علمانية أو كردية، فنجاح الديمقراطية في تحقيق الاستقرار يتطلب بالإضافة الى حكم الأغلبية، تطبيق المساومة وفلسفة الاستيعاب بدل الإقصاء.

والمساومة هنا هي خيار قوى الأقلية المعتدلة للمبادرة في طرح أفكار مستقبلية واقعية تجمع الفرقاء العراقيين، أما الاستيعاب فهو خيار الأكثرية للتواصل مع الأقلية وتقليل مخاوفها وطمأنتها على تحقيق جزء من مصالحها المشروعة، للوصول للهدف النهائي في خلق عراق مستقر.

إن إدراك القوى المعتدلة في العراق، رغم أنهم أقلية بين التيارات المختلفة، بأنها القاسم المشترك الذي يمكن ان يحفظ للعراق وحدته الوطنية وقوته الإقليمية، سيساعدهم على لعب دور الوسيط المرجح في لعبة التوازنات المختلفة.

وفي هذا السياق نخص كلا من القوى السنية والشيعية المعتدلة، بأهمية الابتعاد عن حالة الإحباط والشعور بعدم القدرة على المبادرة، فالعمل السياسي الرشيد يهدف لتقليل الخسائر وتعظيم الأرباح والمصالح السياسية.

واكبر مكسب يمكن ان يتحقق للعراق لو نشطت القوى المعتدلة هو تقليل الخلافات الطائفية والعرقية، وتخفيف حالة التوتر والاحتقان، وسحب البساط من تطرف القوى المتشددة، لتنتصر إرادة العقل والمنطق لايجاد عراق مستقر ومزدهر.

أخيراً إن عملية الاستفتاء على مسودة الدستور ـ سواء تم إقراره أم رفض ـ ستكون بصمات إيجابية على مستقبل استقرار العراق اذا استطاع العراقيون تجاوز خلافات الماضي بروح المصالحة الوطنية والاحتكام لآليات الديمقراطية السلمية القائمة على المساومة والاستيعاب والتقارب بين الأجنحة المعتدلة، لان السياسية في النهاية هي فن الممكن.

أما النتيجة السلبية التي يمكن ان تفضي إليها عملية الاستفتاء على مسودة الدستور، خاصة اذا ما تم إقصاء واستعداء الفرقاء الخاسرين، فهي تأجيج روح الخلاف في المجتمع العراقي، ودفعه الى خيارات الصراع والاحتراب، وهي الخيارات التي تدعو لها القوى المتطرفة سواء أنصار صدام أو أنصار القاعدة، وهي لا شك لا تخدم العراق وأبناءه باختلاف طوائفهم.

كاتب سعودي