منذ أغسطس الماضي، أصابتنا تفاصيل مأساة اعصار «كاترينا» واعصار «ريتا» بالدوار. لكن وسط آلاف التفاصيل الصغيرة التي وفرها اعصار إعلامي هائل، تم اختزال الإعصار ككارثة طبيعية إلى تفسيرين يدوران رغم التناقض الفاضح بينهما، حول مفهوم واحد هو «العقاب».
عقاب إلهي هو ذاك الذي تروج له عقلية أصولية تبسيطية للغاية لا ترى في الظاهرة الطبيعية سوى عقاب الهي لبلد يجسد كل الشرور ومنحرف بكل المقاييس. انه ذلك النوع من التفسيرات السهلة التي يوفرها منطق الأصولية الدينية الرائج هذا.
وعلى هذا كان بإمكاننا ان نظفر بالأجوبة على هذه الكارثة الطبيعية المروعة من على منابر الجمعة لا من مراكز الأبحاث. عقاب لهذه «الاميركا» المتجبرة المتغطرسة المصابة بجنون القوة الإمبراطورية. تفسير يعيدنا إلى الحدث المفصلي الذي يراد له تشكيل الالفية الثالثة، 11 سبتمبر وتفسيره الرائج: معاقبة أميركا بضرب رموز قوتها.
في مقابل منطق العقاب الالهي، يبرز منطق آخر يتلمس تفسيرا علميا لكنه يصيغ بالنهاية مفهوم العقاب نفسه: عقاب لاميركا على رفضها الانضمام إلى معاهدة «كيوتو» حول التغييرات المناخية.
وعلى مدى أسابيع، راح بعض الخطباء يتلون الدعاء بنبرة لا تداخلها اللعثمة وينطقون الأسماء بفصاحة ودون خطأ: كاترينا وريتا. اما الدعاء فهو يلح على العقاب ويتضرع لله بأن يعاقب هذه «الاميركا» بالمزيد من العواصف مثل كاترينا وريتا.
فهؤلاء الخطباء شبان وفي اواسط العمر وخريجو جامعات ومشتغلون بالحواسيب ولبعضهم مواقع على شبكة الانترنت.
والدعاء على أميركا بات اقرب للطقوس.
هذه «الأميركا» من شأنها ان تستثير كل اشكال الغضب والسخط بل وتبقيه بنزعتها الامبراطورية مستمرا ومتقدا. لكن هذا القدر العالي من اللعنات ودوافع التشفي يشوش ايماننا إلى ابعد الحدود.
الى الحدود التي تجعلنا نتساءل بقلق عن سر هذا الاصرار لدى بعض الناطقين باسم الاسلام اليوم على تقديم الإسلام نفسه في رسالة تفيض بالحقد الاعمى. فان نتذكر ان من بين الضحايا نساء ورجال وأطفال، فان هذا لا يشكل سببا وجيها لاستدعاء شيء من العقلانية وشيء من السوية.
منطق الكتل الصماء هذا يثير لدي كل دوافع القلق. انه منطق اعمى لا اشعر انه يمت إلى إسلامي بصلة. إسلامي الذي تبدو الكتب المدرسية التي سخرنا منها ذات يوم اقدر على اظهاره بشكل يبعث على الفخر لا الخجل مثلما هو الحال مع منطق هؤلاء الدراويش.
انه منطق يغيب باختزال وتبسيط مهين للذكاء حقائق من شأنها ان تدفعني كمسلم للفخر قليلا. حقائق مثل ان من بين 50 ألف متطوع في اعمال الاغاثة التي أعقبت اعصار «كاترينا» فان 30 ألفا منهم مسلمون.
انها حقيقة تدفعني للتساؤل عن الفارق بين اسلام هؤلاء المتطوعين واسلام هؤلاء الذين لا يملكون سوى ترديد اللعنات. الذين لا يملكون سوى منطق تبسيطي يجعل المسلمين وحدهم من بين جميع شعوب العالم ساديين وفاشيين إلى حد تمني الموت للأطفال والنساء ولربما للمسلمين من الأميركيين.
بموجب منطق العقاب والكتل الصماء هذا، سيسقط المسلمون الأميركيون ضحايا واللفتات الإنسانية ايضا وحس التضامن الإنساني ليس له حساب ايضا. واذ اظهرت كارثة «تسونامي» الصيف الفائت تبلد مشاعرنا ومدى العماء الذي أصابنا، راح منطق العقاب الإلهي يوالي اهانة ذكائنا بالمزيد من المفارقات.
فالصيادون الفقراء الذين جرفتهم الامواج في جزر الشرق الاقصى ليسوا سوى اناس مذنبين سلفا. وهم بموجب منطق العقاب الالهي ليسوا سوى مخلوقات لا وظيفة لها.
ولا احلام سوى ان تجسد العقاب الالهي دون ان يتسنى لأصحاب منطق العقاب الالهي ان يتبينوا ولو لدقيقة واحدة ما اذا كان هؤلاء المساكين قد ادوا صلواتهم في ذلك اليوم ام ان الكارثة لم تمهلهم. ففي كلا الحالين، استحقوا اللعنات من قبل الذين رددوا بإصرار ان الكارثة عقاب الهي على الفساد وعري السياح وعوراتهم.
كاتب بحريني