دخلت دولة الإمارات في العصر الحديث بتحديات كثيرة ومتعددة، وهي في كل هذه التحديات كانت مواكبة لتحديات الأمة العربية والإسلامة، مما يدل على أنها جزء لا يتجزأ من هذه الأمة، ومما يدل أيضاً على أن رجالها ونخبتيها السياسية والثقافية على وعي بدوائر الانتماء ومحاور التحرك الوطني والقومي.

ففي البداية دخلت دولتنا في التحدي من أجل الخلاص من هيمنة النفوذ الأجنبي وإعلان الاستقلال، وفي المرحلة التالية دخلت التحدي من أجل تحرير فلسطين والقدس الشريف.

وفي المرحلة الثالثة دخلت في التحدي من أجل الإصلاح والتحديث والتنمية سواء على المستوى الوطني المحلي أو المستوى القومي الإقليمي، ويعلم الجميع مواقف دولة الإمارات من الأشقاء العرب والمسلمين والتي لاتزال تقفها بكل قوة وشجاعة.

وفي مرحلة أخرى دخلت التحدي من أجل السلام على أساس وطني وقومي يأخذ بمصالح الأمة في عين الاعتبار ومن دون مزايدات ولا شعارات ولا تنازلات. وعلى هذه الأسس نفسها دخلت التحدي من أجل إعادة ترتيب المنطقة العربية أو الشرق أوسطية.

وهي في هذه المرحلة الجديدة لم تتخل عن التحديات القديمة، حيث لاتزال تكافح بطريقتها ضد الهيمنة في شكلها أو أشكالها الجديدة، ولاتزال تقف بجوار الشعب الفلسطيني في سبيل إيجاد حل عادل لقضيته التي هي في الوقت نفسه قضية كل الشعوب العربية والإسلامية.

كما لاتزال تقدم يد العون والمساعدات الجزيلة لأشقائها العرب والمسلمين وبقية شعوب الأرض، وتقف بجوارهم في كل المحن والأزمات، وبالأمس غير البعيد كانت في جزر المحيط الهندي تقدم يد العون والمساعدة للمتضررين من كارثة «تسونامي».

وبالأمس القريب أيضاً كانت هناك في الولايات المتحدة الأميركية تساعد المنكوبين والمشردين من إعصاري «كاترينا» و«ريتا»، واليوم هي في جمهورية باكستان الإسلامية تقدم المساعدات المادية والمعنوية لمتضرري زلزال آسيا.

كما ذهب فريق طبي من القوات المسلحة لمساعدة الضحايا في الإخلاء والإنقاذ ولفتح مستشفى ميداني في المناطق التي تعرضت للزلزال. وافتتح الفريق عيادات وغرف عمليات إضافة إلى غرف عمليات فائقة العناية. وحمل الفريق معه معدات إنقاذ وأدوية وملابس وخيام ومواد غذائية لضحايا هذه الكارثة الكبرى.

إذن فإن التحديات الإصلاحية الجديدة لم تصرف دولة الإمارات عن همومها القديمة ومعاركها التي بدأتها في القرن السابق، في إطار إيمانها العميق بمبدأ الشراكة من أجل التقدم والمستقبل المشترك.

ونحن إذ نؤكد على ذلك فإننا لا ننسى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فرضت على المنطقة كلها متغيرات جديدة، ولا شك أن الإمارات استبقت الضغوط الخارجية للإصلاح، لأنها تعي أهمية عملية الإصلاح من ناحية، ولأنها تأبى فرض شيء عليها. كما تأبى التخلي عن تحدياتها القديمة التي يفرضها عليها انتماؤها العربي والإسلامي، والنزعة الإنسانية العالمية التي تملأ قلب أي مواطن إماراتي.

ومن المعروف لدى كل محلل موضوعي غير منحاز، بل لدى كل مواطن يملك الحد الأدنى من الوعي بالهم العام، إن تحديات الإصلاح تأتي في الوقت الذي فشلت فيه الدول العربية في تحقيق طفرة اقتصادية أو اجتماعية تعادل أو حتى تقترب مما حققته دول جنوب شرق آسيا، رغم الموارد التي تملكها كثير من الدول العربية!

وإذا كانت هناك مصاعب وعقبات معروفة أمام الإصلاح السياسي، لأن هذا النوع من الإصلاح يستلزم تضحيات كبرى غير مستعدة لها معظم دول المنطقة، فالحيرة تبرز في تفسير الفشل في تحقيق إصلاح اقتصادي، هل لأن الإصلاح الاقتصادي مرتبط بالضرورة بالإصلاح السياسي؟

أم أن هناك فساداً كبيراً وحيتان إدارية تبتلع المكاسب وتعيق وتحبط أية عملية جادة للإصلاح الاقتصادي؟ أم إن رأس المال البشري المتمثل في المهارات والكفاءات لايزال ضعيفاً؟ أم ان الغرب والدول المهيمنة والمحتكرة لا تسمح بتقدم حقيقي للدول العربية والإسلامية؟

هل الإرهاب له دور؟ وهل الحروب والصراعات المحلية هي العقبة أمام تحقيق معجزة إصلاحية؟

إنها أسئلة كثيرة وصعبة تحتاج إلى إجابات حاسمة وشجاعة، حتى يمكن الخروج من هذا النفق المخيف، نفق التخلف العام على كل المستويات في معظم الدول العربية.

إنها أسئلة تحتاج إلى دراسات علمية موضوعية مخلصة وغير منحازة ولا تحركها الأهواء. دراسات تفكر جيداً في إشكاليات الأنظمة السياسية والاقتصادية العامة والخاصة، ومشكلات الأقليات والمرأة، وعلاقة الدين بالدولة، وطرق مكافحة الفساد، وإصلاح التعليم، والصراع بين الطبقات.. الخ.

إن الإصلاح في المنطقة لابد أن يقوم على الشراكة من أجل التقدم والمستقبل المشترك، وليس باتباع سياسات متفرقة وشتى، لأن مصير أية دولة مرتبط بمصير الدول الأخرى في المنطقة، والعمل المنفرد سوف يكرس سياسة التبعية السياسية والتكنولوجية والاقتصادية عن ذي قبل.

لاسيما مع انتشار الفساد والشلّلية، وضياع كرامة المؤسسات الشرعية أمام الضغوط الخارجية، وضياع الشعور بالأمن الذي تحول إلى ضرورة مثل ضرورات تأمين الغذاء والدواء، والضعف العام والوهن الذي أصاب الإرادة العربية.

وفي هذا السياق لابد من إعادة التأكيد على ما أكدت عليه جريدة الرياض السعودية في إحدى افتتاحياتها من أن الأكثرية العربية لم تعد في التصنيف العام ذات إرادة، أو حتى صاحبة حق في التعبير عن حقوقها.

وصار اليأس حالة مستوطنة في الذهن الشعبي، مم ولّد الشكوك، ثم الانفجارات التي تقودها مؤسسات الارهاب، والدعوات ـ على سبيل المثال في العراق ـ إلى تجزئة الوطن الواحد بين زعامات، ومشايخ القبائل والمذاهب، والقوميات.

إن معظم المشاريع العربية ـ وللأسف الشديد ـ تحولت إلى مجرد مشاريع وهمية، تكتب، ولا يعمل بها، ومن هنا نشأت الخلافات وبدأ البحث عن حل خارجي نتيجة يأس الأنظمة الداخلية، وصارت أميركا تعلن عن شرق أوسط كبير، والتبشير بإزالة النظم التي لا تقر الحقوق، وباسم العدالة صار التدخل العسكري أو الضغوط الاقتصادية، يترافقان ورسالة الدولة العظمى.

وفي اعتقادنا أن هذا وهم آخر أو مشروع وهمي جديد، فالإصلاح لا يمكن أن يأتي من الخارج، إذا أردنا له أن يكون إصلاحاً حقيقياً يأخذ مصالح شعوبنا في المقام الأول لا مصالح الدول العظمى الأولى فقط. إن الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي ليس مجرد قرارات سياسية عليا، بل هو قبل ذلك إرادة شعب وتصميم أمة وممارسة أفراد.

منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات