كان بودّنا أن نشكر القمة العربية التي انعقدت ولو مصغّرة الأسبوع الماضي في مصر ("أم الدنيا عموم"؟ لا تزال؟) لتظهر قلقها على لبنان وسوريا معاً.
ولكن، فات القمة الكريمة ان لبنان (وسوريا كذلك) وطن، وليس "ساحة"... ولا سوريا "ساحة" فحسب، بل وطن، مثلنا مثلها. ويسوؤنا أن نضطر الى تذكير القمة والجالسين عليها، رؤساء وملوكاً وأمراء الخ... بذلك ولو كان الزمن العربي الرديء زمن اضطراب الأوطان واختلاط مقاييس الحكم والهويات!
رحم الله الرئيس أنور السادات الذي أطلق، عندما اشتدت حروب "الآخرين" على "الساحة" اللبنانية أطلق صرخته المدوية، ولو لم يستمع اليها الآخرون، عرباً وغير عرب: "ارفعوا أيديكم عن لبنان"!
المهم ان صوتاً عربياً ارتفع آنذاك، وبليغاً وهادفاً، مطالباً للبنان باستقلاله وحريته في أن يقرر مصيره، بمعزل عن الذين كانوا يستبيحون أرضه وناسه، والوطن والمواطنين ليخوضوا حروبهم في ساحته ، يسلّحون القَتَلة (ولو من اللبنانيين) ويدرّبونهم ويحقنون قلوبهم والعقول بالأحقاد والعقائد الزائفة، وبمشاريع التقسيم والتقاسم من جهة، و"الضم والفرز" من جهة أخرى!!!
كل ذلك الى مباركة تقاسم امراء الحرب و"رياسها" الغنائم والاسلاب، والشعب يزداد فقراً والدولة افلاساً ، برعاية "حكم الآخرين" المتشارك على مظاهر عداء!!!
***
هل ولّى ذلك الزمان؟
كنا نظن، ونريد أن نستمر نظن ونؤمن بأن هذا الزمان قد ولّى، والى غير رجعة.
ولّى مع الغضبة الصاخبة التي وحّدت في 14 آذار الصفوف التي أخرجت جيش الحكم السوري، ولا غضب على سوريا الشعب الشقيق والوطن التوأم... بل على حكم مخابراتي استبدادي هو من مخلّفات الأنظمة الستالينية التي استمرت مظاهرها والطبائع حتى الأمس القريب، بل القريب جداً، ولا حاجة الى التسمية!
وهو حكم لم يقتنع بعد بضرورة رفع أيديه نهائياً عن "الوطن" اللبناني، فيمضي يهدد من هنا ("فتح أبواب الجحيم"!) ويتوعد من هناك بسلاح سواه، سلاح فلسطينيينٍ ما، ممن كنا نظن انهم تعلّموا ان الطريق الفلسطيني سواء كان الى القدس او الى "غزة فقط"، موقتاً... - لا يمر من بيروت ولا من مخيمات البقاع والشمال ولا من صيدا البعيدة عن الحدود... ونشك في ان يمرّ طريق التحرير الفلسطيني (لا اللبناني) من شبعا ومزارعها او حتى من الجولان...!
***
... ولكن، من أين نبدأ، والعرب الذين عجزوا حتى عن التعبير عن نظرة عقلانية عملانية الى العراق يتحمّلون مسؤوليتها ... نظرة، مجرّد نظرة، انما تقال بغير الكلام "الهيولي" المبهم الذي يفيد الأمر ونقيضه.
هكذا بالضبط في ما يتعلق بالحرص على "الساحة" اللبنانية و"الساحة" السورية، حيث قالوا انهم يريدون "الاستقرار"، وما أدرانا أي استقرار... لعله الاستقرار الديكتاتوري أليف "السجن العربي الكبير" (نترحّم على صاحب هذا القول، الأستاذ المعلم كمال جنبلاط كل يوم أكثر من اليوم الذي سبقه)... أو الاستقرار الذي خلفته الغارات التي انهالت على حماه، وعادت أحداثها الدامية الى واجهة الذاكرة العربية هذه الأيام الاخيرة!
و"الاستقرار" الذي طالبوا به لنا وللشقيقة سوريا هو ما تفتقت عنه عبقريتهم الديبلوماسية عندما هرول النظام السوري مستنجداً متخوّفاً من العزل الدولي له، فانطلقت الحناجر (صادقة؟) تعلن انها لن تسمح بهذا العزل والتطويق و... و... و... ولكنها تدعو "سوريا" (مَن سوريا، أية سوريا؟) للتعاون مع المجتمع الدولي في تسهيل مهمة لجنة التحقيق!
وتمضي الوساطات متزايدة لحمل واشنطن على قبول عروض تعاون سوري معها (ولو مخابراتياً) في حين تستكثر أبواق سوريا اياها أن يكون ثمة حدب من المجتمع الدولي على لبنان الديمقراطي، فيوصف ذلك بالعمالة والخيانة.
وكجائزة ترضية للبنان (عفواً: للساحة اللبنانية) تعلن القمة وروادها حرصاً على استقرار "الساحة اللبنانية"، من غير التجرّؤ على القول، وربما حتى التجرّؤ على الظن بأي أحد تتوجه اليه "المناشدة"، ويا ليتها كانت تكون أشدّ لهجة، على قلة فصاحتها... وخصوصا بعدما بادرت دمشق اياها تنفي ما كانت تقوله مصادر القمة عن الوساطات مع اميركا وسواها. فمن نصدّق ومتى؟
***
أما بعد، فإلى الاخوان العرب، هذه الرسالة القصيرة،
أولاً: الشكر، ثم الشكر والشكر على حرصكم الأخوي. وقمة الحرص أن تتشجعوا فتصرخوا (مرة أخرى مع أنور السادات الذي خوّنتم ثم تقدِّسون لأنه، هو، استرجع أرض وطنه من العدو!) - تصرخوا في وجه القريب قبل البعيد، والشقيق قبل العدو: "ارفعوا ايديكم عن لبنان".
ثانياً: ان اللبنانيين، كل اللبنانيين، كيفما بدت لكم يا عرب الفروقات التي بينهم، عرب قبل سائر العرب ولعلهم أصدق في براءة عروبتهم. وهم في حرصهم على الديمقراطية التعددية وممارسة حقوق الانسان وحرياتهم، يأبون ان يُستباحوا مرة أخرى "ساحة" لا للصراعات الدولية والأقليمية والعربية العربية فحسب، بل ساحة للمناظرات والتهديدات والتهويلات والابتزازات... ولا بالطبع ساحة للاستنحارات!
ثالثاً: هوية لبنان العربية لا تنتظر شهادة من أحد، والوطن اللبناني نعرف أنه فعل ايمان، وعربي نهضوي نيّر، وهو كذلك فعل بناء يومي مطلوب من المواطنين اللبنانيين جميعهم، وفرداً فرداً، كل يوم من كل شهر من كل سنة.
وهم لم يقصّروا حتى حين كانت "أبواب الجحيم" مفتوحة لالتهامهم بنيرانها، فلم تتغلب على إرادة البقاءالوطني، طموحنا الا تمنعونا يا عرب من بناء هذا الوطن كي تحوّلوا اطلاله، متى تهدّم (وقد تهدّم مرات ونحن كنا نعيد بناءه حتى وهو يتهدّم، وهذا ما لم تفعلوا انتم في اوطانكم) ساحات استعراض ومناظرات و... حروب تخوضونها واحدكم ضد الآخر، وأنتم تتظاهرون بالوحدة والوئام.
***
هذه "العروبة" الزائفة سئمناها، ونعرف ان شعوبكم أيها الحكّام سئمتها هي كذلك!
وسئمنا، نحن واخواننا المواطنين في سائر الدول العربية، وأولاها سوريا سئمنا الهزائم ندّعي انها انتصارات، وفي أحسن الاحوال نعزّي النفس بأنها "نكبات" من القدر، و"نكسات" من قضاء المجهول! وسئمنا التظاهرات الغوغائية المصطنعة لشعوب "مسطّحة" الارادة تطالب بما لا تريد، وتصفّق هاتفة لمن ترفض حكمه، وهي تصلّي في عمق النفس الصامتة لسقوطه.
وقد بلغ تدهور أوضاعنا نحن العرب، أنتم ونحن كلنا، حداً في الانتكاس لم تعد بعد ثم درجة ادنى ننتكس اليها.
فمع الشاعر اللبناني الذي أطلق صرخة "النهضة" العربية الكبرى، نكرر بكل فخر واعتزاز:
"تنبّهوا واستفيقوا أيها العرب
فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب"
... قبل ان يفوت الأوان، ويكون "استقرارنا" كلنا معاً في قعر هاوية، لعلها هي بالذات "الجحيم" الذي يهددنا الأقربون بفتح أبوابه على أحرار لبنان!
وليطمئن الملهوفو القلب على لبنان: سيعرف اللبنانيون كيف يتسلقون، ولو من الهاوية، عمارة النهضة والحضارة، كلهم معاً، واحراراً. لا يخافون ولا يرتهبون.
ذلك يكون بناء الوطن، وليس الاصطفاف في "ساحات" حروب الآخرين... كمن ينتظر تنفيذ أحكام بالاعدام.