إذا علمتنا الموسيقى أنه «لا ائتلاف بغير اختلاف»، وأن «الهارموني» إنما لا ينتج إلا من اختلاف الآلات والأصوات حين تعزف مع تعددها سيمفونية واحدة، بمرجعية نوتة موسيقية واحدة..

وإذا علمنا كل شيء في حياتنا أن اختلاف المخلوقات والأشياء وتعددها إنما يزيد عناصر الثراء والتفاعل فيها، بشرط أن يجمعها وينظم علاقاتها نظام واحد..

بل إن الاختلاف الذي يعني التميز وليس الخلاف، والذي يعني الاختصاص بخاصية معينة وليس الامتياز بمعنى الأفضلية، يبقى هو سمة الحياة وضرورة لازدهارها بكل عناصرها وتفاعلاتها ومنتجاتها الإنسانية والحضارية.

فعندما نتأمل في ألوان بشرة الناس نجدها في النهاية متعددة وأحياناً نتابع لغتهم فنجدها في النهاية عديدة..

وأحياناً يفكر المرء طويلاً في آيات الله على الأرض وهي لا نهائية، عندما تنظر إلى حديقة أو إلى بستان وتتأمل قطعة أرض واحدة، تروى بماء واحد لكن نباتها مختلف وزهورها مختلفة وأشجارها تختلف، أشكالها تختلف، وألوانها تختلف وأحجامها تختلف وثمارها تختلف لكنها في النهاية حديقة واحدة.

بل ان شجرة واحدة هي شجرة النخيل، مليكة الأشجار المتوجة هي نوع واحد من الشجر المثمر، موحد الشكل مختلف الأطوال والثمار كله ينتج التمر، لكن التمور أنواع عديدة، وكلها من نوع شجر واحد.

إذاً التعدد ثراء في الكم وتفاعل في الكيف والاختلاف سبب رئيسي لصنع الائتلاف، فلندع كل الزهور تتفتح فلكل وردة عطرها وحديقة الوردة الواحدة، ليس فيها من العطور إلا عطر واحد..لكن الحديقة الحقيقية هي الحديقة الواحدة ذات الورود المتعددة العديدة في ثرائها من كل الأشكال والروائح والألوان.

هذا الجمال الرائع وهذه الأسرار الإلهية، تجدها في كل الممالك النوعية التي تمثل المحيط البيولوجي في الكون.. في مملكة الطيور، وفي مملكة الحيوانات وفي مملكة الأسماك جزء من مملكة ملك الملوك، الله جل جلاله، في السماء وعلى الأرض.

في النهاية الاختلاف رحمة بشرط الائتلاف بين العناصر المختلفة، في سيمفونية واحدة، فذلك أهم أسباب الثراء والبقاء والنماء، وهو القانون نفسه سواء في الثقافة أو الزراعة أو السياسة أو الاقتصاد..يؤكد ذلك ما نقوله دائماً في عالمنا العربي من دعوة للتوحد مع التعدد والوحدة على أساس التنوع العقائدي والقومي..

وما نقوله في عالمنا الإسلامي من أن لا فرق بين عربي وعجمي أو بين أبيض أو أسود، ولا فضل في هذا التميز لأحد منهم على الآخر طالما أن التقوى هي أساس الامتياز.

وأحياناً تتبع لهجات اللغة الواحدة والعربية مثل واضح، فتجدها بأكثر من لهجة، وأن اللهجة المغربية لها ما يميزها عن المصرية وأن السودانية لها ما يميزها عن الشامية وأن الشامية لها ما يميزها عن الخليجية لكن كل هذه اللهجات هي في النهاية أصوات مختلفة للغة واحدة.

ففي الاتحاد الأوروبي هناك من السياسيين من يدعو إلى تقليل عدد اللغات الرسمية للاتحاد، بينما العديد من المثقفين والأكاديميين يرون العكس وتشجيع كل اللغات داخل الاتحاد.إذاً فلندع كل الزهور تتفتح، لأن حديقتنا العربية الإسلامية الواحدة تتسع لكل الزهور بكل روائحها وأشكالها وألوانها.