فجر تصريح السفير الأميركي عن توقف الديمقراطية في اليمن جدلا بين اليمنيين. وبالأخص الصحافة الرسمية.معروف أن السفير الأميركي كثيراً ما يتدخل في أدق تفاصيل الحياة اليمنية. فهو يتحرك في مختلف مناطق اليمن حتى في أكثرها استعصاء على «رجالات» الحكم: مأرب والجوف مثلا وهو يدلي برأيه في العديد من الأحداث من منطق استعلاء وتوجيه.
ولا تجد تحركاته أو تصريحاته أي رد فعل من قبل الحكم. بل انه كثيراً ما أدلى بتصريحات عن صواب الإصلاحات اليمنية. وعن الرضا عن خطوات الحكم المحلي.. وعن وعن.. يقبل الحكم بنصائح البيت الأبيض ووصايا صندوق النقد الدولي ويقبل بكل شيء بما في ذلك القواعد العسكرية ومكافحة الإرهاب ويرفض ما يتعلق بالديمقراطية والإصلاح فقط.
إذاَ بماذا نفسر التغيير في موقف السيد السفير عن الديمقراطية المتوقفة ـ بغتة ـ مع أنها تتراجع منذ حرب 94. ولم يقل سيادته شيئا عن هذا التراجع الفاجع؟!
ولماذا غضب حكامنا من التصريح عن توقف الديمقراطية في حين أنهم يعرفون قبل غيرهم أنها في لحظة انحسار وتراجع وليس مجرد توقف. وهم يقبلون من سعادة السفير حشر انفه في أدق تفاصيل الشأن اليمني دون استنكاف أو «زعل».
والسؤال لماذا توقفت الديمقراطية فجأة لدى السفير الأميركي؟. ولماذا ثار غضب مسؤولينا من كلام صائب ولا يمثل إلا أدنى من الحد الأدنى مما يجري في اليمن؟.
فهل للأمر علاقة بالزيارة المرتقبة للرئيس صالح إلى أميركا؟ وهل للجدل الدائر حول المطالب التي يتوقع ان يطرحها الرئيس دخل في الأمر؟
وهل للتجاذب اليمني السعودي ومراوحة اليمن في الموقف من العراق، والتذبذب الواضح إزاء الإصلاحات الديمقراطية التي كثيرا ما وعد بها الرئيس صالح ودعا الحكام العرب إليها علاقة ما؟ وهل التصريح إشارة لضغط مبكر من جانب الإدارة الأميركية لفرض الأجندة التي تريد أميركا أن تمررها؟
لا شك أن أميركا أكثر إدراكاً لمأزق الحكم في اليمن وهي حريصة كل الحرص على ابتزازه واستلابه. وتصريحات كرادجسكي ليست أكثر من لفت الانتباه إلى عدم طرح أية قضايا لا يريدها بوش. كما تمهد أيضاً لخلق قابلية لما سيطرح.
إن الشيء المؤكد فساد النظام العربي حد التعفن. وفساد العلاقات العربية ـ العربية. وصحيح أن أميركا تدرك أن انهيار هذا النظام المائل للتآكل والسقوط يضر بمصلحتها.
وتدرك أيضاً أن هذا النوع من الأنظمة القروسطية لم يعد قادراً على البقاء. وحرصها على هامش ديمقراطي وإصلاحات سياسية معينة ليس مصدره حبها لشعوب امتنا العربية استغفر الله. وإنما فقط لحرصها على مصالحها وهي مصالح ليست بالهينة. والمنطقة ذات أهمية بالغة بالنسبة للامبراطورية القادمة والحالية.
لا شك أن الرئيس صالح مهتم كثيرا بالإصلاحات التي سيقدمها وبترتيبات المرحلة القادمة للحكم في اليمن التي يرى أنها كفيلة بضمان الاستقرار وسلامة وأمن البلاد.
وهي إصلاحات يكشف عنها الخطاب الإعلامي اليمني الشمولي والعاجز والتصريحات والتسريبات المرتبكة. فالإصلاحات المقترحة تعيد إنتاج الحالة الراهنة وتحاول ترقيع ثوب خلق أكل عليه الدهر وشرب.
فمن حكم محلي محدود الصلاحيات ومرتبط بمكنة المركزية البليدة والعتيقة إلى تعيين نصف أعضاء مجلس الشورى ووعود ـ غير موثوقة ـ بتحاور مع الأحزاب السياسية.
تبدأ وتنتهي دون أن يتوصل المتحاورون إلى نتيجة. ويعول الحكم كثيرا على قبول الإدارة الأميركية بروزنامة الإصلاحات ودعمها. بينما تريد الإدارة الأميركية حربا حقيقية ضد الإرهاب. ومواجهة جدية وشاملة ضد مختلف تجليات الإرهاب المدعوم بمناهج التعليم. والمضمر في خطاب ديني إعلامي ومدارس وجامعات وفساد وبيئة خصبة لتوليد الإرهاب.
والأهم من ذلك كله الالتحاق بركب التطبيع مع إسرائيل. وإرسال السفير اليمني إلى بغداد. وممارسة ضغوط على دول الجوار بتقديم أنموذج مختلف ومغاير.إن الإدارة الأميركية بأمسّ الاحتياج للنصرة في العراق، تحقيق انتصارات ولو وهمية في فلسطين بادعاء تحقيق سلام.
ان التجاذب اليمني الأميركي كاذب ومضلل. وهو يعبر عن تباين في الرؤى. واختلاف على الأولويات أكثر من تصادم إرادات أو تضارب مصالح، وهو أيضاً تهيئة المناخ للقاء البيت الأبيض الأكثر احتياجاً وتعطشاً لتحقيق انتصارات زائفة يقدمها النظام العربي على طبق من ذهب.
المأزق أن أميركا غير جادة في إصلاحات يقوم بها حلفاؤها قدر جديتها في التطبيع مع إسرائيل ومساندة حملتها البربرية في العراق وأفغانستان وهي تستخدم هراوة الإصلاحات والديمقراطية كهراوة غليظة للقبول بما تريد.
كاتب يمني