فجأة ومن دون مقدمات طويلة أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون رغبته بلقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبدأت ماكينة الإعلام الإسرائيلية بالحديث عن بوادر «حسن النية» التي يريد تقديمها شارون للفلسطينيين مثل:
الاستعداد للانسحاب من بعض المدن والإفراج عن معتقلين وعودة المبعدين وسحب بعض الحواجز في الضفة، وتوصية للجنة الأمنية بالسماح بإدخال أسلحة خفيفة بشروط معينة لتسليح الأجهزة الأمنية بدلا من الأسلحة التي فقدتها طوال السنوات الخمس الماضية على أيدي جيش الاحتلال.... الخ.
وترافق مع هذا تسريبات إعلامية منسوبة لأصحابها تتحدث عن تاريخ ومكان الاجتماع يوم الثلاثاء في الحادي والعشرين من أكتوبر الجاري في مدينة القدس.
هذا الحماس المفاجئ يثير أكثر من سؤال مع ان العروض المقدمة كنتائج له لا تعني شيئا كثيرا، فقد سبق وتم الانسحاب من طولكرم وأريحا بعد لقاء شرم الشيخ في مارس الماضي.
ولكن هذا لم يمنع الاحتلال من العودة لاقتحامهما أكثر من مرة واغتيال واعتقال من يريد، وتم الإفراج عن 900 معتقل فلسطيني وفق المعايير التي وضعتها إسرائيل من جانب واحد، ولكنه اعتقل أكثر من العدد المفرج عنه، وفي الأسابيع القليلة الماضية فقط اعتقل ما يقرب من 500 فلسطيني حولت غالبيتهم للاعتقال الإداري.
وسحب بعض الحواجز العسكرية الإسرائيلية لا يعني عدم عودتها بعد ساعات أو إقامة غيرها على مقربة منها، أي ان التدقيق بكل عناوين ما يسمى بمبادرات حسن النية الإسرائيلية لا تعني شيئا، لان شارون وجيشه يستطيعان استردادها بعد ساعات هذا إذا أقدم على تنفيذها أصلا.
قد يكون مفهوماً ان شارون بعد ان حسم تنافسه مع صقور الليكود «نتنياهو وعوزي لانداو» في مركز حزب الليكود ولو لفترة، يريد الإظهار انه بصدد متابعة مشروعه السياسي الأمني الانفصال من جانب واحد، بخطوات أخرى، وبهذا يستجيب لرغبات دولية وإسرائيلية وعربية.
وخاصة رغبة الإدارة الأميركية في لحظة تشعر أنها بحاجة لمثل هذه المبادرة من شارون لتحقيق بعض النجاح لسياساتها الخارجية التي تعاني المصاعب والعقبات، وليس هناك أفضل من إظهار ان هناك تقدماً ما على جبهة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حتى لو كان على شاكلة من يطعم الآخرين هواءً.
ولقاء الرئيس عباس يخدم هذا الغرض خاصة إذا ما تم بوساطة عربية، وما يثير التساؤل أكثر هو رغبة إسرائيل ببحث قضايا المعتقلين والانسحاب من المدن وغيرها في إطار اللجان المشكلة سابقا والتي عطلت عملها من طرف واحد، وأضافت لها لجنة وقف التحريض المعطلة منذ نهاية القرن الماضي.
وكلنا يعرف ان تعطيل عمل اللجان حصل لان حكومة شارون وممثليها في هذه اللجان أرادوا فرض مفاهيمهم السياسية ومعاييرهم العملية على عمل هذه اللجان انطلاقا من المفهوم السياسي الإسرائيلي العام القائم على ان الحلول والترتيبات الناجمة عنها هي قرار إسرائيلي وعلى الطرف الفلسطيني القبول به كما هو أو التعامل مع ما تقرره وتنفذه سلطات الاحتلال على ارض الواقع.
فمنذ لقاء شرم الشيخ على الأقل وكل الأمور السياسية والأمنية تقوم بها إسرائيل من طرف واحد، وهذا ما تعمل لترسيخه كأمر واقع في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، مضافا لكل هذا رفض حكومة شارون الدخول بمفاوضات جدية حول القضايا الأساس وهي الانسحاب الإسرائيلي من الأرض الفلسطينية المحتلة والاستيطان والقدس والجدار والعودة والحدود والسيادة... الخ.
يتضح أكثر فأكثر المفهوم الإسرائيلي للمفاوضات وللتسوية بكامل أبعاده، في ضوء كل هذا فان إصرار الرئيس عباس على ضرورة الاتفاق على نتائج اللقاء قبل انعقاده يعتبر موقفا صائبا وغير ذلك يصبح في دائرة الخطأ السياسي ولو بالمعنى التكتيكي على الأقل.
فتجربة ما حدث بعد شرم الشيخ في مارس الماضي رغم انعقاده برعاية الرئيس مبارك ومشاركة الملك عبد الله الثاني وبخاصة الانسحاب من طولكرم وأريحا ثم استباحتهما بالدخول والاعتقال والاغتيال والتعامل مع قضية المعتقلين والممر الآمن بين الضفة وغزة وأخيرا المعابر البرية والجوية والبحرية لقطاع غزة وغيرها، يفرض على الرئيس عباس والفريق الفلسطيني المفاوض الحذر الشديد .
وليس هذا فحسب، بل توفير الضمانات الضرورية لتنفيذ ما يتفق عليه، والأطراف الضامنة له، فقد سبق وجرى العديد من الاتفاقات في لقاءات سابقة، وبمعزل عن الاتفاق أو الاختلاف معها، إلا أن إسرائيل فرضت قاعدة عملية في التعامل وهي ان كل ما ينفع الاحتلال تلتزم بتنفيذه وكل ما يتعارض مع مصالحها كما تراها يجري تعطيله والارتداد عنه من طرف واحد.
ويبقى السؤال لماذا يرغب شارون في لقاء الرئيس عباس هذه الأيام، في ظني، فإن شارون يدير حملة علاقات عامة سياسية وإعلامية على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي، ويرى ان هذه اللقاء يفيد حملته هذه دون أن يكلفه أو يرتب عليه الكثير.
خاصة إذا ما علمنا أن الرئيس عباس سيزور أميركا، ولقاؤه مع شارون قبل سفره والاتفاق على بعض الموضوعات الجزئية سيترتب عنه تنفيس زخم زيارة عباس لواشنطن قبل حدوثها، كممارسة مزيد من الضغط الدولي الأميركي على شارون للتقدم أكثر في مفاوضاته مع الفلسطينيين بعد ان حظي بثقة حزبه وهزم معارضيه.
في ضوء كل هذا وفي ضوء تجربة المفاوضات واللقاءات والاتفاقات السابقة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بخاصة، وهي تجربة غنية ومليئة بالدروس والعبر.
وفي ظل الوضع السياسي المحلي والإقليمي والدولي فان على الرئيس عباس والقيادة الفلسطينية والفريق المفاوض دراسة خطواتهم ومواطئ أقدامهم من كل الجوانب، وعدم الإقدام على لقاءات لا يترتب عنها سوى خدمة حملة شارون للعلاقات العامة.
وفي كل الأحوال عليهم الالتزام في تحركهم السياسي بالأسس التالية:
أولا: ان المفاوضات أية مفاوضات يجب ان تستند إلى مرجعية سياسية وقانونية محددة ومعروفة، وفي هذه الحالة فالمرجعية هي الشرعية الدولية ومواثيقها وقراراتها ذات الصلة، وأية مبادرة سياسية أكانت دولية أو عربية وأية خطوة في عملية التفاوض يجب ان توصل لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية هذه.
ثانياً: في ضوء تجربتنا الطويلة والمريرة، يجب ان نتمسك بتوفير الضمانات الدولية من قبل المجتمع الدولي والجهات الضامنة القادرة على تنفيذ التزاماتها المترتبة عليها من هذه الضمانات.
وإلا تحولت المفاوضات مع إسرائيل إلى حملة علاقات عامة، وتحولت الاتفاقات إلى عملية إدارة أزمة ولعب بالوقت الضائع إلى حين الارتداد عنها من طرف واحد هو إسرائيل كما حدث في مناسبات عديدة سابقة، وبما يسمح لشارون وبائتلافه بفرض المزيد من الوقائع الاستيطانية وغيرها.
ثالثا:يجب وفي كل الظروف ان يبقى الطرف الفلسطيني ممسكا بعناصر قوته المحلية والدولية، وهي الوحدة الوطنية والقيادة الجماعية وحق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال والشرعية الدولية وقراراتها، والتحرك السياسي عربيا ودوليا استنادا لاستراتيجية عمل سياسية وكفاحية واحدة تجيب عن أسئلة المرحلة الجديدة، وينتظم ويعمل الجميع في إطارها.
بهذا نستفيد من عبر وتجارب الماضي، ونتجنب الشراك التي ينصبها شارون وائتلافه السياسي المحلي وحلفه الدولي لنا، وتصب المفاوضات باعتبارها أداة من أدوات العمل السياسي بخدمة كفاح شعبنا من أجل تحقيق هدفه بالحرية والاستقلال والعودة، وبحيث يصبح أي اتفاق صغيرا كان أم كبيراً خطوة في مجرى تحقيق هذا الهدف.
عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية