حركات التحرر عبر التاريخ، انتزعت حقوقها ونالت استقلالها عندما كان بيتها الداخلي متماسكاً على الأقل، في حدّه الأدنى، بخلاف ذلك كانت تجد نفسها إما فريسة للاستنزاف نتيجة صراعاتها الداخلية، أو تصاب بالعجز والضعف بحكم تشتت قواها وتعدد أجنداتها.
تنطبق هذه القاعدة بقوة على الوضع الفلسطيني وخاصة في لحظته الراهنة، كل أطرافه وقواه تعترف بذلك، فهي من زمان طرحت شعار «ترتيب البيت الفلسطيني»، جرت محاولات كثيرة لا تحصى في هذا الصدد. لقاءات ووساطات ومؤتمرات.
وبعد كبوة أو هزّة تطلع الدعوة نفسها من جديد إلى السطح ويصار التأكيد عليها تكراراً باعتبارها أولوية لا تقبل التأجيل، لكن مع الأسف، في كل مرة سرعان ما يسقط هذا الشعار من مرتبة الأولويات إلى خانة النسيان، بل التجاهل. وهكذا تعود الأمور إلى مجراها المألوف، وكأن شيئاً لم يكن.
الاختبار الأخير كان بعد رحيل الاحتلال عن غزة، كثرت الدعوات والمناشدات للنهوض بهذه المهمة وحسمها، وذلك على قاعدة أن الظرف الجديد يقتضي مثل هذا الترتيب، وأنه لم يعد من الجائز ولا من المسموح به أن تستمر حالة التسيّب على ما هي، فالحدث فريد، وهو الأول من نوعه، ويقتضي بالتالي تزخيمه لتحقيق قفزة نوعية جديدة باتجاه الضفة، ثم ان العالم يراقب ليرى كيف ستكون ردة فعل الفلسطينيين على هذا التطور.
لاح أمل بأن الأمور هذه المرة ربما كانت مختلفة، فلابد أن تتهيب القوى الفلسطينية للموقف وحساسية الظرف التاريخي وتتصرف بالتالي، في ضوئه، لكن مرة أخرى خابت التوقعات.
ازداد التوتر ووصلت درجته إلى حد التقاتل وسقوط القتلى، وبدلاً من أن تتحول غزة إلى نموذج للبيت الفلسطيني الجديد، إذا بها تصبح نموذجاً لغابة الانفلات المسلح والاستعراضات العسكرية بدلاً من أن يطغى على حياتها الانتظام ويشدها الرابط الوطني بعضها إلى البعض الآخر، طغت عليها الولاءات الضيقة وحكمتها روابطه ومرجعياته.
كل جماعة أو فئة لها مساحتها وقانونها وطبعاً سلاحها. وإذا توقفت حروب المنافسة بينها اشتعلت حروب أخرى، آخرها كانت الحرب الإعلامية، إذاعات وصحف وبيانات مسلطة حملاتها بعضها على البعض الآخر، معارك وردود واتهامات على الهواء.
خاصة على شاشات التلفزيون العديدة، إذاعة تبث أخباراً عن فصيل معين فيرد هذا الأخير بأن المحطة ومن وراءها يستهدفان سمعته وتاريخه ووضعه، وفي هذه المعمعة وتحت تأثير حرارتها المرتفعة طارت جولة الحوار التي كان من المزمع عقدها في مصر بين الفصائل كافة في محاولة أخرى لترتيب البيت الفلسطيني.
ويحصل كل ذلك واستحقاق الانتخابات صار على الباب وإسرائيل تعمل بكل قوة لإحباطه من خلال وضع «الفيتوات» على مشاركة هذا الطرف أو ذاك.
هل يصحو أهل هذا البيت لإصلاح أمورهم وشؤونهم قبل فوات الأوان؟