تؤكد النتائج الأولية للاستفتاء الذي جرى بالعراق قبل يومين على مسودة الدستور الجديد أن هناك فجوة حقيقية بين أبناء الأقاليم العراقية، وهي فجوة تدعو محبي العراق لإبداء أسفهم، سيما وأن أساس المشكلة لا يتصل بخلاف موضوعي، وإنما بإعلاء البعض لمصالحه الخاصة وإصراره على تصوراته على حساب صالح العراق ومستقبله.
إن من ينظر إلى النتائج الأولية المعلنة من جانب المفوضية المستقلة للانتخابات سيجد أن الحضور الكبير المصحوب بتأييد أكبر لمسودة الدستور، تركز في المناطق الكردية في الشمال، وكذلك المحافظات ذات الكثافة الشيعية في الجنوب، فيما تركزت حالة من الرفض الكبير في المناطق ذات الأغلبية السنية، وبالذات تلك التي تعرضت لعمليات اجتياح من قبل قوات الاحتلال الأميركي.
بلغت نسبة المشاركة بمدينة الفلوجة مثلا 90% وهي نسبة تفوق ما كان أكثر المتفائلين يتوقعه لكن نسبة الذين رفضوا مسودة الدستور الجديد في نفس المدينة تجاوزت 99% وهي أيضا نسبة تتجاوز ما كان أكثر المعارضين للدستور يتمناه.
نفس الأمر حدث تقريبا في تكريت (80% حضور 70 % رفض) وذلك بعكس ما جرى في البصرة والناصرية والسماوة حيث كان الحضور متوسطا والتأييد كبيرا وعكس ما حدث أيضا في مدن كردستان، إذ كان الإقبال واسعا والتأييد كاسحا.
وفي كل الأحوال يمكن القول إن هذه الصورة تعكس حالة استقطاب ستولد نتائج من شأنها أن تضر بالعراق على المدى البعيد، ربما قال البعض إن ذلك الاستقطاب دليل واضح على الحرية التي لم يسبق للعراقيين أن مارسوها على صعيد التعبير عن الرأي، وهو قول صحيح بامتياز غير أن مكمن الخطر في هذه الحالة هو الأسباب الطائفية التي تقف خلفها، وكذا الأهداف التي يريدها كل طرف.
فالمعروف أن السنة يريدون استغلال وجودهم كأغلبية في 3 محافظات لإسقاط مشروع الدستور باعتباره خطوة فاصلة على طريق التقسيم وإلغاء عروبة العراق وتغليب أطراف وقوى محددة.
فيما يسعى الشيعة والأكراد إلى إيجاد أكبر دعم ممكن لنصوص هذا الدستور الذي يعد بنظرهم انتصارا للديمقراطية وحقوق الإنسان التي تكفل لكل منهما أن يحقق ما حرم منه في عقود الاستبداد البعثي.
لقد كان الأمل كبيرا في أن يذهب العراقيون إلى صناديق الانتخاب, وهم متفقون على خطوط عامة تحكم مستقبلهم في المرحلة المقبلة لا أن يذهبوا مدفوعين بالتناقض والرغبة المتبادلة في الإقصاء دونما اعتبار لما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج وتداعيات.