حزب «الإخوان المسلمين» هو القوة السياسية الوحيدة التي يتوفر لها استعداد للاستيلاء على السلطة في دمشق في حالة نشوء فراغ سلطوي ينتج عن إسقاط النظام الراهن. لذا فإنه ليس من المتصور أن الولايات المتحدة تخطط للإطاحة بهذا النظام مهما تصاعدت حملتها السياسية ضده، أغلب الظن أن إدارة بوش ترمي فقط إلى تطويع هذا النظام لخدمة أهداف إقليمية.
من حين لآخر تكرر إدارة الرئيس بوش مآخذها على سوريا، وبالتالي ما تريده منها، هذه المآخذ تتلخص في ثلاث نقاط:
أولاً: أن تضع حداً لتسلل «الانتحاريين والقتلة» عبر أراضيها إلى العراق.
ثانياً: أن تتعاون بشكل تام مع التحقيق الدولي في حادثة اغتيال الزعيم اللبناني رفيق الحريري.
ثالثاً: تحجيم نشاط المنظمات الفلسطينية التي تتخذ من دمشق مقراً لها.
ومن الواضح أن إدارة بوش توخت في رسم هذه المطالب اعتبارات الأمن الإسرائيلي ذلك أن كسر شوكة المقاومة المسلحة في العراق، وبالتالي إخضاع العراق تماماً للإرادة السياسية الأميركية عن طريق حكم عراقي عميل يمهد لتطبيع علاقات العراق مع إسرائيل وتحويله إلى سوق مفتوح للسلع الإسرائيلية وساحة حرة للموساد.
أما طلب تعاون دمشق بالكامل مع لجنة التحقيق الدولية في مقتل الحريري فإنه ينطوي على فرضية أميركية مسبقة بأن سوريا ضالعة في مخطط الاغتيال رغم أن اللجنة لم تفرغ من عملها، الأمر الذي يشي بتسييس التحقيق.
وبناء على هذه الفرضية فإن سوريا ستكون مطالبة بالعمل على تدجين المقاومة الوطنية اللبنانية ضد إسرائيل المتمثلة في «حزب الله» وتحجيم التنظيمات السياسية والطائفية اللبنانية المتحالفة مع دمشق.
أما في ما يتعلق بالمنظمات الفلسطينية، فإن إدارة بوش تعلم أن نشاط هذه المنظمات ينحصر في العمل السياسي السلمي والإعلامي، فهي لا تمارس قتالاً انطلاقاً من الأراضي السورية. ومع ذلك، فإن المطلوب من دمشق هو إسكات هذا الصوت السياسي والإعلامي.
لكن واشنطن تدرك أنها لن تحصل على تجاوب كامل من النظام السوري على أساس هذه المطالب بقدر ما تعلم بوجه خاص أن اتهامه بإرسال عناصر قتالية إلى العراق عبر الحدود ليس سوى أكذوبة.
مع ذلك، لا تتوفر لواشنطن خيارات واقعية لإجبار النظام على التعاون، فالخيار العسكري سيكون جنوناً إذا أخذنا في الاعتبار تورط أميركا في المستنقع العراقي.
وفي حالة الإطاحة بالنظام لا يتوفر لواشنطن بديل مناسب لأهدافها. فبالرغم من أن هناك معارضة ليبرالية متنامية داخل سوريا، إلا أن التنظيم الوحيد القادر على تولي السلطة هو حزب «الإخوان المسلمين».
لقد ورد في الصحافة الأميركية أن إدارة بوش نظرت في إمكانية حكم بديل يتزعمه رفعت الأسد عم الرئيس بشار، لكن سرعان ما استبعدت الفكرة بعد أن اقتنعت الإدارة بأنه شخصية مكروهة في جميع الاتجاهات والتوجهات في سوريا.
ولحين إشعار آخر، ستبقى واشنطن حائرة تجاه كيفية التعامل مع دمشق.