أعادت حادثة انتحار وزير الداخلية السوري غازي كنعان، طرح سؤال قديم متجدد، وهو لماذا يقدم السياسي على الانتحار، رغم ان لديه العديد من الخيارات التي ربما لم يتوفر مثلها ل« الكاميكاز» أو الطيارين اليابانيين الذين كانوا يتدربون في نهاية الحرب العالمية الثانية،لكي يفجروا طائراتهم في السفن الحربية الأميركية بينما كانت الامبراطورية اليابانية وصلت إلى وضع ميئوس منه عسكرياً ؟.
قبل الإجابة على هذا السؤال، ينبغي ان نعرف الانتحار، وهو كما يراه الطب النفسي« فعل حاد يقوم فيه الشخص بإيذاء نفسه وتحطيمها حتى الموت فعلا، ويقول عالم الاجتماع الفرنسي الشهير اميل دوركهايم او ـ ابو علم الاجتماع الفرنسي ـ ان الانتحار هو «كل حالات الموت التي تنتج بشكل مباشر أو غير مباشر من فعل سلبي أو إيجابي ينفذه الضحية بنفسه وهو يعرف أن هذا الفعل يصل إلى هذه النتيجة أي الموت».
أما سيغموند فرويد الطبيب النفسي النمساوي الشهير ومؤسس مدرسة التحليل النفسى فيعرف الانتحار بأنه « توجيه العدوانية الكامنة بالشخص ضد ذاته، أي أن هناك أزمة نرجسية يعاني منها الفرد تتجلى في اضطراب التوازن عنده بين العالم المثالي المنشود والعالم الواقعي المعيش».
ويضع الأطباء النفسيون الاكتئاب على قائمة الأسباب التي تؤدي إلى الانتحار، ويقولون ان« الاكتئاب هو حالة مزاجية تعتري الإنسان لأسباب معينة أوقد يكون من دون سبب. وقد تصل هذه الحالة من الشدة بحيث تؤثر على تفكير الشخص وسلوكه وانفعالاته».
وعودة إلى التساؤل المطروح في البداية، فإننا نعتقد ومن خلال العديد من النماذج السياسية التي أقدمت على الانتحار، سواء في العالم العربي أو على المستوى الدولي، ان هناك العديد من الأسباب التي تقف وراء هذا الأمر، أولها شعور السياسي بالعجز عن الفعل، أو بالفشل في القيام بواجب أو مهمة كلف بها، فيتصاعد لديه الإحساس بالضعف وهى صفة يرى انه يجب إلا ان يتحلى بها،
وخاصة مع أدراكه ان الجميع ينظر إليه، على انه « سوبرمان» الذي يقهر المستحيل ولا يعرف الفشل ابدا، وهذا أمر قاتل لأنه يبعد الانسان عن واقعه الطبيعي، الذي فيه الفشل والنجاح والضعف والقوة واليأس والأمل. أيضا ربما يقف وراء لجوء السياسي إلى القفز بمظلة الكاميكاز، إحساسه بالجريمة التي ارتكبها في حق الآخرين، وهي ما يطلق عليه، صحوة الضمير المتأخرة التي لا تأتي حقا إلا بعد فوات الأوان، وبعد ان يدرك ان سلطاته وجبروته أضحت إلى زوال، وأن وقت العقاب والمحاسبة آن، وفى هتلر خير مثال على ذلك.
لكن هل يمكن تشبيه السياسي المنتحر بالكاميكاز ؟ بالتأكيد لا.. لأن الفرق بين الحالتين كبير وشاسع، اذ ان الكاميكاز عندما يتدرب ويضحي بنفسه، فذلك عمل بطولي رائع لا يحتاج شهادة من احد، لانه لم يقدم على ذلك الا ايمانا منه بعدالة قضية بلاده، وحبه لها وإصراره على صد المعتدي عليها، شأنه في ذلك شأن الاستشهاديين في فلسطين المحتلة ،
الذين يوقظون باجسادهم الصغيرة. آمال شعب في التحرر من جبروت المحتل. اما السياسي عندما ينتحر، فهذا لا يعد تضحية بنفسه من اجل قضية كبيرة، وإنما محاولة هروب جبانة من افعال ارتكبها في حق الآخرين، ويخشى ان يحاسب عليها، ومن ثم فإنه يؤثر الطريق الأقصر للخلاص، حتى لا ينظر في عين ضحاياه.
اما في حالة انتحار غازي كنعان، فسيبقى التاريخ وحده القادر على تصنيفها، اما في خانة السياسي الخائف الذي آثر الانسحاب سريعا من الميدان، أو في قائمة الجندي الكاميكاز الشجاع الذي أراد التضحية بنفسه ليخدم قضية اكبر واهم من حياته، وعادة حكم التاريخ لا يتأخر كثيرا.