منذ قرون عدة والعالم وعلماؤه مشغولون بالظواهر الطبيعية لا قدرة على التعامل معها واستيعابها. ففي غمار البحث والتقصي حول معضلة ما يسمى بالوفرة والكثرة، أي وفرة الخيرات المادية على الأرض وكثرة مستهلكيها من سكان هذه الأرض، توصل عالم الاقتصاد الانجليزي توماس مالتوس (17661834) إلى نظرية دعا فيها إلى تحديد النسل في العالم.

وبنى هذه النظرية على نمو السكان المتزايد في العالم يقابله نقص مطرد بالمواد الغذائية ولقد تأثر بنظريته هذه علم الاقتصاد المعاصر، إلى درجة ذهب البعض معها إلى حد المناداة بشن حملات إبادة جماعية بدءاً من القارة السوداء للخروج من هذه المعضلة.

بغض النظر عن الأسباب الكامنة وراء بروز هذه الأزمة العميقة والتي تتجلى في آلية التوزيع السيئة للخيرات الطبيعية في الكرة الأرضية، حيث تستحوذ قلة قليلة على حصة الأسد منها، تاركة الفتات للكثرة الغالبة من سكان العالم، فإن ما يشهده كوكبنا منذ أقل من عام واحد فقط،

لخير دليل على أن الطبيعة لها آلياتها الذاتية الخاصة بها والتي تفوق قدرة الإنسان على التدبير والتكيف مهما ابتكر من اختراعات ومهما أحرز من تقدم علمي ومهما جنح خياله محاولاً درء ما يترتب على الكوارث الطبيعية، بدءاً من أمواج «تسونامي» العاتية ومروراً بإعصار «كاترينا»

وأخواتها وليس نهاية بالزلزال الماحق الذي شهدته ثلاث مناطق آسيوية أخيراً وهي باكستان وأفغانستان والهند. أما ضحايا تلك الكوارث فلقد بلغت مئات الألوف من البشر وذلك خلال مدة زمنية وجيزة بالكاد تذكر في المعايير التاريخية لولا نوعية ضربات الطبيعة التي تلقتها.

قد يقول قائل إن هذا غيض من فيض من الأمثلة التي يقدمها لنا تاريخ الطبيعة على هذا النوع من الكوارث التي أبادت حضارات بكاملها بعد أن شهدت ازدهارا عظيماً وقد نوافقه الرأي ونقف إلى جانبه فيما أصاب بكل تأكيد، لكننا نتساءل عن مدى تورط الإنسان في كوارث أخرى لا تقل فظاعة عن الكوارث الطبيعية والتي تتجلى في الكثير من أمراض العصر الفتاكة

وفي المقدمة منها مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، ناهيك عن الممارسات التعسفية في حق الوسط البيئي، الذي يعد بمثابة جهاز المناعة في جسم الكائن الحي، ولا يخفى على أحد أن هذه الممارسات أدت إلى ظهور كوارث إضافية مثل التصحر والجفاف والاحتباس الحراري وذلك كنتيجة طبيعية لاختلال التوازن البيئي، فضلاً عن انتشار الأسلحة النووية واستخدامها، وما يترتب على ذلك على المديين القريب والبعيد.

لكن يبدو أن الإنسان جموح ولا يكتفي ولا يقنع بكل تلك المصائب والمحن، حين يصب زيت حروبه الخاصة على نار تلك الكوارث المتقدة أصلاً وفصلاً وحين يتفنن بإيجاد أسباب لنزاعات غالباً هي واهية ومضللة في كثير من الأحيان وبذلك تتضافر جهوده الشريرة مع طبيعة الأشياء لتؤدي إلى نتيجة واحدة لا غير، ألا وهي دمار البشرية، بدل أن يقف صفاً واحداً إلى جانب أخيه الإنسان في محاولة للتكيف مع الطبيعة والسيطرة عليها ضمن حدود ما وهب من إمكانيات عقلية وجسدية.

ولتكف، لا بل لتقطع تلك الأيدي العابثة بمصير الكرة الأرضية وقاطنيها، سواء تعلق الأمر بالوسط البيئي، حيث لابد من احترام بنود معاهدة «كيوتو» والتوقيع عليها من جميع الأطراف وخصوصاً تلك المؤثرة منها، أم بالحروب، التي تشنها القوة العظمى في العالم، تحت شعارات وذرائع أقل ما يقال فيها إنها كاذبة.