تضطلع مؤسسات التعليم العالي في معظم الدول بعدة مهام لعل من أبرزها إعداد وتأهيل الطلبة للانخراط في سوق العمل والمساهمة في دفع عجلة التنمية وذلك استنادا إلى ثلاث وظائف رئيسية للتعليم العالي هي:
1) وظيفة عامة: تساهم في التطور العام للمعارف والقيم والثقافة في المجتمع بشكل عام وللطلبة بشكل خاص.
2) وظيفة مهنية: تركز على تزويد الطلبة بالمهارات والمعارف الضرورية والمتوقع أن يحتاجوا لها بعد التخرج ودخول سوق العمل.
3 ) وظيفة أكاديمية - تعليمية: وهي المجال الخصب لتدريب وإعداد الباحثين والعلماء والمدرسين.
وتنهج معظم الدول المتقدمة وتطبق برامج للتعليم العالي العام بجانب برامج التعليم المهني حيث تقوم الحكومات هناك بدراسة احتياجات سوق العمل الوطنية وتوجيه مؤسسات التعليم العالي لإعداد الطلبة بأسلوب يتفق ومتطلبات سوق العمل
والقاسم المشترك بين الأطراف الثلاثة: الدولة ، سوق العمل ومؤسسات التعليم العالي هو الحاجة لغرس مهارات ذهنية وعملية معينة في الخريجين بجانب المعرفة في العلوم المختلفة كي يكونوا مؤهلين للقيام بأعباء الوظائف التي يتقدمون لشغلها.
ويرى ,911.P ,mheK & relhcieT 1995 أن خريجي التعليم العالي لابد ان يمتلكوا المهارات الضرورية التي تسمح لهم بتطوير عملهم بشكل خاص وتطوير مهمة وأهداف الجهة التي يعملون فيها بشكل عام. ويطلق على تلك المهارات عدة اسماء منها: المهارات العامة، المهارات الأساسية الضرورية أو نتائج التخرج المتوقعة. ومن الممكن تعليم تلك المهارات بواسطة أحد منهاجين:
الأول هو دمج المهارات المطلوبة ضمن البرامج التعليمية التي تطرحها مؤسسة التعليم العالي.
والثاني هو طرح تلك المهارات في برامج منفصلة ومتوازية مع البرامج التعليمية الأخرى. ومن أجل توضيح المقصود بالمهارات واختلافها من مجتمع لآخر، نورد تجارب بعض الدول في مجال التعليم العالي ودوره في إعداد وتأهيل الخريجين لسوق العمل.
في بريطانيا يتأثرأداء مؤسسات التعليم العالي هناك إيجابيا بقدرات الطلبة على اكتساب المهارات السليمة أثناء دراستهم. وقد عبر الخطاب السياسي المعاصر عن ذلك صراحة عندما أكدت الحكومة الحالية على ضرورة التزود بالمهارات الأساسية القابلة للتحويل في سوق العمل.
وبناء عليه فقد استجابت مؤسسات التعليم العالي لذلك التوجه وطورت سياسات وبرامج خاصة تهدف تعليم المهارات المطلوبة وذلك من خلال الكليات الأكاديمية أو من خلال عقد حلقات دراسية متخصصة للطلبة. ( أنظر Tai،Godfrey، 1999 )
أما أستراليا فقد تركزت بؤرة الاهتمام الرسمي فيها في السنوات الأخيرة على أهمية اكتساب الخريجين للمهارات العامة. وقد استجابت الجامعات الأسترالية لذلك التوجه الحكومي وقامت بإعادة صياغة مهامها وأهدافها الخاصة بالتعليم والتدريب بناء على السياسة الرسمية في سوق العمل واحتياجات أصحاب الأعمال. ومن أمثلة ذلك ما قامت به جامعة جيمس كوك التي أكدت في رسالتها الخاصة بمهامها وأهدافها على ضرورة أن يكتسب الطلبة مختلف المهارات المطلوبة لسوق العمل.
وفي جنوب إفريقيا قام العديد من الباحثين ( ومنهم Maharasoa & Hay، 2001 ) بدراسة التغيرات العالمية في التعليم العالي ومقارنتها بمثيلتها في جنوب إفريقيا وعلاقة مخرجات التعليم العالي هناك بسوق العمل الدولية.
وقد ساهم ذلك المجهود البحثي في توجيه الحكومة نحو تطبيق العديد من السياسات التي ترمي لضمان أفضل مشاركة لخريجي التعليم العالي في سوق العمل المحلية وذلك على اعتبار أن التعليم العالي - حسب المنظور الجنوب إفريقي - هو القوة المحركة للتطور الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع.
ولذلك فالاهتمام يتزايد هناك بإعداد المناهج الدراسية في التعليم العالي التي تهدف إعداد وتأهيل الطلبة لسوق العمل مزودين بالمعرفة والمهارات. وأخيرا هناك دولة بابوا - غينيا الجديدة والواقعة شرق أندونيسيا وذات الخمس ملايين ونصف المليون نسمة تقريبا،
حيث أعدت وزارة التعليم هناك خطة عمل استراتيجية متكاملة لإعادة صياغة وتوزيع أسلوب تعليم المهارات الأساسية الضرورية لطلبة النظام التعليمي في كافة مراحله. وقد نصت الاستراتيجية على العديد من الأهداف التي ترمي تحقيقها ومن أبرزها تأسيس نظام تعليم وتدريب فني ومهني لا يحتل المرتبة الثانية ضمن افضل النظم التعليمية بل يكون الأفضل على الإطلاق في التدريب على المهارات.
وبالنظر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن القراءة السريعة لمؤسسات التعليم العالي الرسمية في الدولة تلاحظ - حسب اعتقادي - أن تلك المؤسسات تحقق إنجازات بارزة في الوظيفتين: العامة والأكاديمية - التعليمية وتبرز الحاجة إلى إيجاد معادلة متوزانة تضمن إنجاز الوظيفة المهنية لتحقيق أهداف سياسة التوطين في الدولة.
كما أن البرامج الدراسية التي يتلقاها الطلبة المواطنون في مؤسسات التعليم العالي الرسمية تشير إلى تفاوت تركيز تلك المؤسسات على تدريس المهارات وتبرز كليات التقنيا العليا كحالة خاصة. فقد وضعت تلك المؤسسة منذ إنشائها في العام 1988 هدفا استراتيجيا لم تحد عنه وهو تحديد بعض المهارات الأساسية التي تُعلمها للطلبة منذ السنة التأسيسية وحتى التخرج، وقد تحولت تلك المهارات فيما بعد إلى نتائج متوقع إكسابها للخريجين وقامت المؤسسة بدمج تلك المهارات ضمن برامجها التعليمية والعملية. وتلك المهارات هي:
1- التفكير المنطقي الجاد.
2- الوعي بمستجدات الأحداث العالمية.
3- تقنية المعلومات.
4- العمل الجماعي وفن القيادة.
5- وسائل الاتصال مع الآخرين والاستخدام الأمثل للمعلومات.
6- الإدارة الذاتية والتعلم مدى الحياة.
7- مهارات مهنية معينة.
وجاء اختيار تلك المهارات نتيجة للشراكة الاستراتيجية بين كليات التقنية العليا وقطاعات بارزة في سوق العمل المحلية والتي تقوم من خلال اتصالاتها مع الكليات بتحديد احتياجاتها من المهارات والمعارف النظرية لدى الخريجين. وتقوم كليات التقنية العليا من وقت لآخر بتقييم وتطوير تلك المهارات بناء على المتغيرات المتسارعة في سوق العمل المحلية والعالمية.
وعليه فإن المطلوب هو توعية وإقناع جميع مؤسسات التعليم العالي في الدولة - الرسمية والخاصة - بأهمية تدريس مهارات أساسية للطلبة المواطنين وذلك ضمن استراتيجية شاملة ونظام معاصر يوائم مخرجات التعليم العالي مع متطلبات سوق العمل وذلك لضمان قدرة القوى العاملة الوطنية على المنافسة محليا وعالميا حتى نستطيع توفير حلول مناسبة للأعداد المتزايدة من الخريجين والعاطلين عن العمل ونساهم في إنجاح سياسة التوطين.
manoftimes@maktoob.com
باحث في شؤون التعليم ـ الإمارات