أطل علينا د. نجيب النعيمي، وزير العدل القطري السابق، من خلال شاشة «العربية» في برنامج «إضاءات» 105 أبدى إعجابه بـ (بن لادن) واعتبره «المخلّص» للأمة من الظلم، باع حلاله وجلس على رؤوس الجبال لتحقيق أهداف الأمة الإسلامية، الوزير الذي أصبح محامياً دولياً مرموقاً متحمس جداً لقضية غوانتانامو.

وهو المدافع الأكبر عنهم في المحافل الدولية، وينعى على الحكومات العربية تخاذلها في القضية، وختم حديثه بمفاجأة غير متوقعة حين قال «ان أميركا ستجلس على طاولة المفاوضات مع القاعدة يوماً ما». من حق الدكتور أن يعجب بالقاعدة وزعيمها ويدافع عن سجنائها، فهناك الكثيرون في الساحة يشاطرونه آراءه لكنهم لا يملكون جرأته وصراحته، وكنت أتمنى من المحاور البارع تركي الدخيل أن يطرح على ضيفنا العزيز الأسئلة الآتية:

1- كيف يكون (بن لادن) مخلّص الأمة، وأتباعه يقتلون مسلمين أبرياء بدءاً من الدار البيضاء إلى بالي؟

2- كيف يستقيم تعاطفك مع الشعب الأميركي مع الإعجاب بـ (بن لادن) الذي قتل عدة آلاف منهم في 11/9؟

3- ما علاقة فساد بعض الحكومات العربية بقضية غوانتانامو؟

نحن نحترم وجهة نظر د. النعيمي ولسنا بصدد مناقشتها ولكن ما يستحق المناقشة، قوله: (بأن أميركا ستفاوض القاعدة) فهل ذلك ممكن؟ وما جدواه؟وفي الحقيقة فإن د. النعيمي ليس أول قائل، بتفاوض أميركا مع القاعدة، فقد سبقه إلى ذلك خبراء أميركيون، منهم (آلن زيركن) الذي قال بأن الوقت حان للتفاوض لأن القاعدة ستتمكن من شن هجمات بيولوجية ونووية فالأفضل، التفاوض مع (بن لادن) حتى يسقط فتواه بقتل الأميركيين مقابل تغيير أميركا لبعض سياستها الخارجية ـ الاتحاد 22/9.

ولكن السؤال في ضوء معرفتنا للأساس العقائدي لفكر القاعدة، هل يمكن التفاوض معها؟! وهل تقبل القاعدة مبدأ التفاوض؟ دعونا نستحضر أمامنا الأمور الآتية:

1- «القاعدة» تنظيم هلامي، وما يجمع أفرادها وخلاياها والمنظمات الأصولية المتحالفة معها (أيديولوجية عقائدية واحدة) لا روابط تنظيمية موحدة، وهذا يشكل فارقاً مهماً بينها وبين تنظيمات سياسية متشددة مثل «إيتا» الإسبانية و«الباسك» الانفصالية، و«الجيش الجمهوري الايرلندي»

وبعبارة أخرى ما يوافق عليه (بن لادن) بعد التفاوض قد لا يكون ـ بالضرورة ـ مقبولاً أو ملزماً للآخرين من أمراء الخلايا وزعماء التنظيمات والشبكات العنقودية المتعددة الرؤوس، بل قد يصل الأمر كما يقول عبدالرحمن الاشير إلى أن يرفع بعضهم السلاح ضد بن لادن لأنه حرمهم من الشهادة وأوقف الجهاد. فمع من تتفاوض أميركا؟ وما الضمان؟

2- منطلقات القاعدة والتنظيمات الأصولية (جهادية أخروية) وليست منطلقات سياسية. ومن تهن عليه حياته وحياة الآخرين فيفجر نفسه فيهم، لا يفعل ذلك طلباً لمغانم دنوية عاجلة ولا لأهداف سياسية أو وطنية زائلة ولا لأجل العراق أو فلسطين، إنه يفعل ذلك طلباً للجنة هؤلاء يريدون الآخرة ويعتقدون أنهم يحملون رسالة إلهية لهداية البشرية الضالة وهم الأوصياء الموكل بهم خوض الجهاد المستمر إلى يوم القيامة، فكيف تفاوض من قرر الرحيل إلى الآخرة؟

3- الهدف النهائي للقاعدة والتنظيمات الأصولية، إعادة إحياء دولة «الخلافة» الإسلامية المترامية الأطراف، وقد فطن «بوش» في خطابه الأخير لهذا حين قال: «الإرهاب يسعى لإقامة إمبراطورية متطرفة من اسبانيا إلى اندونيسيا، انطلاقاً من أفكار متطرفة».

لقد كان إلغاء «الخلافة» على يد (أتاتورك) فجيعة كبيرة للمسلمين، كان من أبرز تداعياتها، ولادة جماعة «الإخوان المسلمين» على يد الشيخ حسن البنا في الإسماعيلية عام (1928)، بهدف إعادة الخلافة، وبقي (حلم الخلافة) في مخيلة كل الجماعات الساعية لذلك سلماً أو عنفاً، وكانت الفجيعة الكبرى الثانية، سقوط (دولة طالبان)، على يد أميركا،

ومن هنا كانت شدة نقمتهم عليها لأنها قضت على (الدولة الحلم) ورسالة الظواهري للزرقاوي توضح أهمية إقامة «الخلافة» كهدف استراتيجي، إذ يشكل الوصول إلى السلطة لإقامة الخلافة هدفاً أساسياً، لاعتقاد هؤلاء، بأن أحكام الشريعة الإسلامية لا يمكن تطبيقها على الوجه الصحيح إلا من خلال دولة الخلافة،

ولذلك من الضروري بالنسبة لوزارات الأوقاف في دولة المنطقة، اليقظة والحذر من استقدام المشايخ الذين يتلاعبون بأحلام الناشئة عبر أوهام إعادة «الخلافة» الضائعة فهؤلاء هم الذين يوفرون المستنقع الذي يخرج منه البعوض والإرهابيون في الوقت الذي تنشط فيه دولنا في تجفيف روافده ومنابعه.

4- الذين يعتقدون أن مطالب القاعدة، مطالب سياسية، مثل إخراج المشركين من الجزيرة، أو العراق أو حل قضية فلسطين، هم واهمون، هؤلاء لا تعنيهم هذه القضايا إلا كأوراق سياسية لكسب الدعم الجماهيري والأنصار، ونصيحة الظواهري الأخيرة للزرقاوي توضح أهمية التعاطف الشعبي والدعم الإعلامي للقاعدة فهو يقول له (إن الجمهور لا يتحمس للمعركة ما لم يكن فيها عدو أجنبي).

وما يفعله (مسيّسو الإرهاب) من أصحاب الفكر القومي واليساري والإسلامي ما هو إلا نوع من الإسقاط على فكر القاعدة والجماعات المتحالفة، بأكثر من استنطاق أدبياتها وقراءة محركات أيديولوجياتها ـ يوسف الديني، الشرق الأوسط 15/7 ـ فهم ينفخون في (الدافع السياسي، مع أنه (غطاء) ظاهري ويتجاوزون (الدافع العقائدي) مع أنه (الأساس) الثابت.

5- معتنقو فكرة القاعدة وكل التنظيمات الشمولية لا يقبلون التفاوض مطلقاً لأنهم يعتقدون أنهم يملكون (الحقيقة المطلقة) وقبولهم التفاوض يعني التشكيك في الحقيقة وذلك غير جائز بل هو خيانة وإثم، لذلك رفض الخوارج القدامى (التحكيم) إذ لا توسط بين حق وباطل واتهموا الصحابة بالكفر لأنهم قبلوا التحكيم ورفعوا شعار (لا حكم إلا لله).

6- أثبتت كل التجارب التاريخية والمعاصرة، أنه لا جدوى للحوار مع معتنقي الأيديولوجية الشمولية، فقديماً لم ينفع حوار الإمام علي مع الخوارج بل زادهم تصلباً، وحديثاً لم تنفع كل محاولات العفو والصفح بل حتى الاسترضاء والتدليل،

وكما يقول: صالح القلاب في مقالته (لا العفو أثمر ولا الحوار أفاد) ان دولاً عربية عديدة أخذت بنصيحة أن الأسلم والأصح هو اللجوء إلى الحوار الهادف البناء مع الإرهابيين، بدلاً من أسلوب الرصاص والبندقية، وكانت النتيجة فشلاً كاملاً ـ الشرق الأوسط 1/9.

7- تفاوض أميركا مع القاعدة لا ينهي المشكل الإرهابي، لأن معركة القاعدة الحقيقية هي مع حكوماتها وأنظمتها العربية التي تصفها بأنها مرتدة وكافرة لا تطبق شريعة الله وتتعاون مع الكفار أعداء الأمة، وما نقمتها على أميركا إلا لدعمها تلك الأنظمة العربية، فكيف يمكن التفاوض مع من يرى أن أربعين نظاماً سياسياً في أربعين بلداً إسلامياً كافرة وإسقاطها واجب؟! عبدالرحمن الراشد، الشرق الأوسط 1/10.

وأخيراً أتصور أن الجماعات العقائدية التي ترفع السلاح وتتخذ العنف منهجاً، لا تنفع معها لغة الحوار والتفاوض هي لا تعرف إلا لغة واحدة: القوة والمواجهة الأمنية، هكذا فعل الإمام علي والصحابة قديماً وهو ما تفعله أميركا مع الجماعات الإرهابية، حالياً.

كاتب قطري