مصلحة المجتمع العامة يفترض أن تكون واحدة من أهم أهداف إعلامنا المحلي. ورغم أن تعبير «المصلحة العامة» من التعابير الأكثر عرضة للاختلاف في التفسير والتأويل، إلا أن الحد الأدنى للمصلحة العامة لأي مجتمع هو المحافظة على وحدته كلها والذود عن وجوده وكيانه واستقراره وسلامته وتقديم مصلحته ومصلحة مواطنيه فوق أي مصلحة أخرى.
نقول هذه الكلمات لأن الإعلام المحلي صار يتعامل مع بعض القضايا المحلية المصيرية بشكل لا يخلو من «البرود» وعدم الإحساس بحجم القضايا المطروحة والتي تنشر أحيانا كخبر أو كتعليق أو كتحقيق أو حتى كعمود رأي في يوم ما وتختفي.
وتمر هذه القضايا مرور الكرام على القائمين في الصحف ووسائل الإعلام دون متابعات ودون النظر في سبب إخفاق المؤسسات والعاملين فيها عن تحقيق الأهداف الوطنية على الوجه الأفضل.. كما صارت تمر على القارئ والأشخاص المعنيين بالقضايا الوطنية مروراً عابراً، وبالتالي أصبح نشر القضايا والمشاكل الوطنية لا يقدم ولا يؤخر.
القضايا الوطنية المحلية مطلوب مراعاتها بدرجة كبيرة من الزاوية الإعلامية من ناحية الاهتمام بها في الطرح والتناول ثم المتابعة والعلاج. مطلوب أن تكون هناك حملات إعلامية متواصلة واستطلاعات ومقالات وتعليقات تتحمل مسؤولية الكشف عن كل خلل
وتقصير في الأوضاع المحلية وأن تسائل القائمين والمسؤولين ممن وضعت الحكومة على عاتقهم مسؤولية الاهتمام بالقضايا الوطنية بكل ملابساتها وهمومها. الصحافة مطالبة بأن تلعب دورا وطنيا ومشاركا في الرقابة العامة على المؤسسات المخولة بتسيير شؤون المجتمع ومصالحه. أن تحاسب وتراقب وتكشف سبب التقصير والتخلف أو التغاضي عن حل القضايا الوطنية.
منذ أيام طالعتنا الصحف المحلية بخبر مفاده أن 2368 مواطنا ومواطنة تهافتوا لتقديم طلبات توظيف عرضتها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وكانت نسبة 80% من هؤلاء المواطنين تحت سن الثلاثين وحديثي التخرج وبينهم حملة شهادات جامعية في تخصصات مختلفة تشمل الإدارة والقانون والاجتماع والمحاسبة والخدمة العامة وغيرها.
والوزارة بحاجة فقط إلى 86 وظيفة شاغرة الأمر الذي يعني- كما جاء في تحليل الخبر- أن كل 30 مواطناً كانوا يتنافسون على شغل وظيفة واحدة. قبل هذا الحدث بأسابيع نشر خبر آخر يفيد أن 1200 مواطن ومواطنة في رأس الخيمة يبحثون عن عمل. وخبر آخر من إدارة الجنسية يفيد بأن عدد المندوبين في هذه الإدارة يصل إلى 38 ألف مندوب بينهم 1100 مندوب مواطن أي ما نسبته 3% فقط.
الحال ليس بأفضل منه في شركات التأمين التي يعمل فيها نحو 3862 موظفاً تصل نسبة المواطنين منهم إلى 5% معظمهم في وظائف دنيا. يحدث كل هذا في وقت تتغنى فيه الدوائر الحكومية والجهات الرسمية العاملة في الدولة بسياسة التوطين والإحلال.
يحدث هذا والدوائر الحكومية مطالبة بمسؤولية وضع استراتيجيات عملية ومتكاملة لسياسات التوطين الأمر الذي اقتضى إنشاء هيئة خاصة هي «تنمية» مكلفة فقط بتوظيف الموارد البشرية الوطنية وتأهيلها وتدريبها والتعاون مع المؤسسات الأخرى من أجل هذا التوطين. على صعيد آخر، يعاني الصيادون المواطنون الأمرين من عشرات التجار وباعة السمك الآسيويين الذين صاروا يحتكرون السوق ويستغلون المستهلكين.
وعلق احد الزملاء في زاوية له بأن تاجراً آسيوياً يدعى «كوتي» صار يحتكر سوق الخضار من أوله إلى آخره ويتحكم في أسعار الخضار والفواكه والسمك بنوعيه الطازج والمملح والسمن البلدي وزيت الزيتون وعسل النحل يعني باختصار كل ما يباع هناك .
هذا ويعاني الصيادون من هم آخر وصفوه بأنه «إجحاف» في حقهم من قبل وزارة الزراعة والثروة السمكية اثر تطبيقها لقرار يحظر ممارسة الصيد بالشباك إلا لصاحب القارب ذاته أو أحد أقربائه من درجة الأب أو الابن أو الأخ. وهذا القرار كما يرون يحرمهم من إمكانية تشغيل مواطنين ليسوا من أقارب الصيادين من الدرجة الأولى وبالتالي يعرض طراداتهم وقواربهم للبقاء سابحة في الموانئ دون نواخذة ودون عمل.
وفي مدينة العين لم يسلم المواطنون ممن يقومون بتربية الحيوانات والمواشي من الطرد غير المباشر من الاستمرار في هذه المهنة بعد أن صارت تجارة وبيع «الجت» وهو علف الحيوانات محتكرة بالكامل في يد التجار الآسيويين.
فأصحاب الشاحنات المحملة بالجت تأتي إلى السوق عن طريق التجار الآسيويين وتباع إلى التجار الآسيويين والذين بدورهم يحددون الأسعار التي يريدونها عند بيع هذه الأعلاف لأصحاب المواشي من المواطنين الذين تحولت تجارتهم إلى خسارة بسبب زيادة التكاليف ويفكر الكثيرون منهم بترك مهنة تربية المواشي التي توصف بأنها حرفة متوارثة وهواية تسد حاجات الأسر المواطنة ونفقاتها الحياتية.
المزارعون المواطنون في المنطقة الشرقية ليسوا في حال أفضل وهم يقفون في زاوية ضيقة لأنهم صاروا يجدون أنفسهم مضطرين إلى هجر مهنة الزراعة بسبب تمليح مياه الآبار والزحف العمراني وبسبب فرض الوزارة عليهم تركيب شبكات ري حديثة عوضا عن الري التقليدي.
العديد من هؤلاء المزارعين أصبحوا مضطرين إلى هجر مزارعهم بسبب عجزهم عن تركيب مضخات تحلية نظرا لتكلفتها العالية، ونتج عن ذلك هجر نحو 427 مزرعة في مربح وقدفع ومدينة الفجيرة واللؤلؤية والزبارة وغيرها. وفي وزارة التربية والميدان التربوي كانت هناك استقالات بالجملة في صفوف قيادات تربوية مواطنة من الدرجة المتوسطة بسبب الإحباط والضغوط النفسية والتهميش من قبل بعض القيادات العليا لهم حيث قرر هؤلاء الخروج إلى غير رجعة.
إضافة إلى استقالة المديرين في التربية كانت هناك استقالات بالجملة في صفوف المدرسات والمدرسين المواطنين تجاوز عددها الـ 100 استقالة . في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تواصل مسلسل استقالات المواطنين عندما قدم العشرات من المسؤولين المواطنين استقالاتهم تاركين الوزارة في تخبط واضح ونقص في الإدارات
خاصة إدارة التفتيش العمالي التي تعاني سابقا وقبل الاستقالات من نقص حاد في الإشراف بسبب عدم توافق عدد المفتشين مع عدد المنشآت التجارية والصناعية والاقتصادية في الدولة التي يفوق عددها الـ 800 ألف منشأة يقوم بالتفتيش عليها 120 مفتشا فقط.
وقد أفرز هذا النقص سلسلة من احتجاجات العمال بالمئات تطالعنا بها الصحف بشكل يومي وتكشف عجزا في الوزارة عن احتواء هذه الاحتجاجات لصعوبة المتابعة وزيارة العمال في أماكن عملهم للوقوف على حيثيات أوضاعهم قبل تصاعدها وتفجرها على هيئة احتجاجات في الشوارع وأمام مقر الوزارة.
كل هذه الأحداث مرت مرور الكرام كأخبار عادية ويومية ومعتادة في الإعلام المحلي، ولكن عندما تتعقد قضايا وطنية كالتركيبة السكانية والتوطين والبطالة واستقالات المواطنين وهروب الصيادين ومعهم المزارعون والمدرسون والمديرون.. إلا يشكل هذا قضية وطنية من الدرجة الأولى؟ وأمام قضايا بهذا الحجم لابد من مساءلة ولابد من الخوض بشكل جاد وعملي في أسباب هذه المشكلات الداخلية.
هنا تتجاوز هذه القضايا كونها قضايا إعلامية إلى كونها قضايا وطنية وهموماً كبرى تمس حياة المواطن وتهدد مصيره وبقاءه، وهنا لابد للإعلام من فتح الملفات وطرحها بجرأة أمام الوزارات والدوائر والقطاعات المعنية والمسؤولة عن حلها والتي قد تكون متسببة في خلقها.
إن تصريحات المسؤولين وكشفهم عن وجود مشكلة وطنية لا يعفيهم من المساءلة ولا يبرئ ساحتهم. عجز المسؤولين وتركهم القضايا المحلية إلى أن تصل إلى درجة من التعقيد لا يمكن حلها تكشف عن خلل في إداراتهم وإعاقة في أجهزتهم ويقع على الصحافة جانب من مسؤولية المحاسبة والكشف لا أن تكتفي هي أيضا بنقل الخبر والتصريحات وإبراء الذمة.
Heyamm@albayan.ae
مديرة إدارة التطوير والمتابعة «البيان»