كتب لي الله سبحانه أن أعيش الغارة الإسرائيلية المجرمة على مقر منظمة التحرير الفلسطينية يوم الفاتح من أكتوبر1985 في الضاحية الجنوبية لتونس العاصمة، حين دكت الطائرات الإسرائيلية المباني الإدارية وبيوت الإخوة الفلسطينيين وقتلت 68 شهيدا ما بين تونسيين وفلسطينيين وامتزج الدم التونسي بالدم الفلسطيني في رمز تاريخي يذكر بامتزاج دماء الشعبين في حرب 1948 حين هب أبناء الشمال الإفريقي متطوعين لمعركة المصير آنذاك.
و كانت تونس في الثمانينات هي مقر المنظمة الفلسطينية ومقر جامعة الدول العربية في الوقت نفسه، بسبب الانقسام العربي الخطير الذي كاد يعصف بالعروبة بأسرها،حين قرر العرب نقل مقر الجامعة من مصر إلى تونس بمباركة دولية في أعقاب زيارة الرئيس السادات إلى إسرائيل وتوقيع اتفاق السلام المنفرد في كامب ديفيد، ثم بسبب ما تعرض له الإخوة الفلسطينيون من هجمة إسرائيلية كانت تل أبيب تنوي تحويلها إلى حل نهائي بالإبادة للقضية الفلسطينية مابين أغسطس وسبتمبر 1982 في بيروت.
هكذا فوجئت حكومة بورقيبة البعيدة جغرافيا عن مواقع الصراعات بهذا الحمل الثقيل النبيل الذي نزل على أكتاف التونسيين فشرفهم وأعاد اتصالهم المقطوع بقضايا الأمة. ووجدت تونس نفسها فجأة تعوض القاهرة وبيروت في الوقت نفسه! وكانت الحكومة التونسية في الواقع تتعامل مع دورها العربي القومي بمخزون سياسي وفكري مختلف عن مخزون الإخوة المشارقة ،
حيث كان الزعيم بورقيبة بطبعه رجل الواقعية والعقلانية يعتقد أن العبرة بالنتائج وأن الشعار يأتي بعد العمل، ومع ظهور بعض المشكلات مع الفلسطينيين وزعل الولايات المتحدة بدأ الزعيم يفكر في إنهاء تواجد المنظمة بتونس لولا حرص زوجته وسيلة ورئيس الحكومة محمد مزالي.
وجاء العدوان على مقر المنظمة ليغير من طبع الرئيس بورقيبة بصورة جذرية فكان لدينا انطباع بأنه عاد إلى شبابه كمناضل ورجل مواقف صعبة حين طلب من مجلس الأمن إدانة إسرائيل وطلب من واشنطن عدم استعمال الفيتو، بل هدد السفير الأميركي بيتر سيباستيان بقطع العلاقات الدبلوماسية في حال استعمال الفيتو.
وقال لي الصديق محمود بلحسين السكرتير الخاص لبورقيبة الذي كان حاضرا وشاهدا لاستقبال بورقيبة لسيباستيان بأن بورقيبة ظل واقفا وراء مكتبه وقال حرفيا للسفير:« اذا استعملت دولتك الفيتو لا تأت لتوديعي فلن أقبلك». وأذكر أني حين كنت مديرا ورئيس تحرير صحيفة العمل لسان الحزب الحاكم خاطبت بالهاتف وزير خارجيتنا آنذاك الباجي قائد السبسي
وهو في غرفة الفندق بنيويورك لأني كنت بصدد إعداد الصفحة الأولى للجريدة لأسأله عن توقعاته حول الفيتو الأميركي فأجابني بأن الرئيس كلفه بإبلاغ الإدارة الأميركية بقرار قطع العلاقات على الفور. وبالفعل نجح بورقيبة في إنزال يد السفير الأميركي التي كانت تهم بالتلويح بالفيتو وصدر قرار الإدانة.وهي المرة الأولى والأخيرة في تاريخ مجلس الأمن! أما السر الطريف الثاني فهو يتعلق بنجاة ياسر عرفات من الموت المحقق تحت قصف القنابل الإسرائيلية،
والسبب في عدم تواجد أبو عمار في مكتبه أو فراشه صبيحة الأول من أكتوبر بحمام الشط هو أنه ليلة 30 سبتمبر طلب ياسر عرفات بالهاتف محمد مزالي رئيس حكومة تونس وقال له: إني قادم من زيارة للرباط وقابلت هناك الملك الحسن الثاني وأبلغني رسالة لك أريد إيصالها لأنها عاجلة، فأجاب مزالي على الفور: تعال الآن وتناول معي طعام العشاء في بيتي.
وبالفعل حل بضاحية سكرة مقر بيت مزالي كل من أبو عمار وصلاح خلف الملقب بابي إياد وحكم بلعاوي الذي كان وقتها سفير المنظمة في تونس ولدى الجامعة العربية، وبدأ الحديث حول المائدة وطال السهر إلى الساعة الثالثة صباحا.
ومع مصافحات التوديع والقبل العربية مع الحضن التي كان طيب الذكر أبو عمار يتقنها، هم سائق سيارة ياسر عرفات بالتوجه إلى حمام الشط ولاحظ حكم بلعاوي بأن أبو عمار متعب فقال له: الصباح قرب يطلع يا أبو عمار وحمام الشط بعيد، تفضل تنام عندي بالبيت في ضاحية قمرت.
وتدخل مزالي ليؤيد اقتراح حكم وكذلك فعل أبو إياد. وهكذا كان، فنزل أبو عمار ضيفا على حكم ولم يلتحق ببيته بحمام الشط والغريب أن أول قنبلتين دكتا المقر نزلتا بالضبط على غرفة نوم الرئيس الفلسطيني ومكتبه لأن المخابرات الإسرائيلية كانت تعرف بدقة كل تفاصيل المباني والتوقيت والتحركات إلا أنها كانت تجهل تغيير اللحظة الأخيرة في جدول ياسر عرفات بتدخل العناية الإلهية التي أمهلت ياسر عرفات
وكتبت له الحياة لمدة أخرى إلى أن توفاه الله بسم إسرائيلي في مستشفى باريسي. ومرات عديدة كان ياسر عرفات أمامي يقول لمحمد مزالي: أنا مدين بحياتي للعشاء في بيتك. ورجاؤنا هو أن تقام لذكرى العدوان الغاشم تظاهرات رسمية وشعبية في نفس الأهمية التي ظللنا نوليها في تونس لجريمة قصف الطيران الفرنسي الاستعماري لقرية ساقية سيدي يوسف يوم 8 فبراير1958 و للتاريخ فان الزعيم بورقيبة لم يخش في الحق لومة لائم ورد على ذلك العدوان بإعلان حرب تحرير مدينة بنزرت عام 1961.
كاتب تونسي