محطة أخرى تمكّن الوضع العراقي من عبورها. طبعاً لم تكن نموذجية، ولا حتى طبيعية. كانت فيها شوائب وعوائق فضلاً عن أنها تحت الاحتلال. لكن في ضوء المعطيات والمعدلات القائمة على أرض الواقع، بدا العبور في حدود المقبول. بالأحرى في حدود «ما كان بالإمكان أفضل مما كان». وفي حالات من هذا النوع تكون السلامة غنيمة. ليس لأنها غاية بحد ذاتها، بل لأنها قد تؤسس لنقلة، ولو ضئيلة، أفضل. أو على الأقل لالتقاط الأنفاس.
لقد قيل بالاستفتاء، الذي جرى على الدستور، الكثير، مراوحة من الآراء وردود الفعل الموزعة بين اعتباره «غير قانوني»، وبين النظر إليه «كخطوة كبيرة تتناسب مع الطموحات العراقية»، مروراً بتصنيفه في خانة اللغم المصمّم للانفجار بالوضع العراقي وتمزيقه إلى أشلاء. تقويمات متباينة تباين المقاربات والمواقع والأجندات المؤكد أنها تجربة تحت الاختبار.
ثمة وقائع لابد من تسجيلها. أولها أن يوم الاقتراع كان، بالمقاييس العراقية، يوماً مسالماً، الوضع الأمني كان أفضل بما لا يقاس بالأيام العادية. التفجيرات والعمليات الانتحارية التي كانت متوقعة وجرت استعدادات أمنية غير اعتيادية لاحباطها، لم تقع، ثانيها أن الإقبال كان بنسبة ملحوظة. وأيضاً بالمعايير العراقية كانت راجحة. طبعاً.
اختلفت من منطقة إلى أخرى وأحياناً في المنطقة أو المحافظة ذاتها. وفي هذا مؤشر على أن الفرز لم يكن حاداً بالصورة المرسومة أو المرغوبة. وعلّ في ذلك تلميحاً إلى وجوه قابلية، ولو مبلبلة، لإعادة النظر بأمور ومواقف لو توفرت ظروف مواتية أو مشجعة.
وقبل كل شيء لو صفت النوايا، من جانب الأطراف كافة. وبكل حال يبقى الاقبال بحد ذاته تمريناً إيجابياً. خاصة في حالة مثل العراق؛ حيث المطلوب وبإلحاح أن يحل صوت الناخب محلّ صوت الانفجارات، علّه بذلك تستقيم المخاطبة بين العراقيين فتقودهم إلى طريق الحوار، التي تعد وحدها قادرة على الوصول بهم إلى شاطئ الأمان.
الآن ماذا بعد؟
في ضوء التدهور الذي بلغته حال هذا البلد الجريح، بل النازف؛ وفي ضوء شحّ الخيارات المطروحة في هذه اللحظة من تاريخه؛ ليس أمام العراقيين إلا اختيار الأقل كلفة وتوظيفه للانتقال إلى محطة أخرى. فقبول النتائج لا يعني الوصول إلى المنشود؛ بل يجب أن يعني تحويل ما حصل لتحقيق قفزة جديدة إلى الأمام.
وإذا كان ذلك لا لشيء فعلى الأقل لكي لا يتحول الخلاف على الدستور إلى صراع محكوم بأن يؤدي إلى تفجير العراق؛ أو في أحسن الحالات إلى قيام أمر واقع تقسيمي، لا افقاً مرئياً للخروج منه. مسؤولية العراقيين التاريخية أن يجتنبوا الوقوع في مثل هذه المصيدة، التي يشتهي وربما يعمل أكثر من طرف لجرّهم إليها.