الاستفتاء على الدستور الذي جرى امس يعتبر في حد ذاته حدثا تاريخيا في بلد عاش عقودا طويلة تحت نظام فردي شمولي وفي منطقة لم تعهد من قبل مبدأ التعددية والفدرالية ولا مركزية الحكم، وهو ما يفسر الجانب الأكبر من الانتقاد الذي تعرضت له المسودة وعززت مخاوف البعض من أنها تجسد حالة الانقسام وتنذر بالفرقة وتضارب المصالح على حساب الهوية الوطنية للشعب العراقي.

لكن ذهاب العراقيين الى صناديق الاقتراع لقول نعم أو لا يؤشر على بلوغ مرحلة هامة في العملية السياسية بالعراق رغم أن كل ما نشهده وما سنشهده حتى نهايةعام 2007 هو تنفيذ لنظام ادارة الدولة الذي وضعه السفير بريمر عندما كان حاكما مدنيا للعراق، فذلك هو الواقع الذي يفرض نفسه على الواقع الحالي.

ومع هذا فان الدستور ركيزة اساسية من ركائز النظام الجديد وهو خطوة لا بد منها كي تكتمل الخطى نحو تشكيله مع نهاية العام الحالي وخاصة باجراء الانتخابات البرلمانية والخروج من دائرة المؤقت الى دائرة الدائم أي انتخاب الرئيس والحكومة وارساء عمل المؤسسات الرسمية والاهلية على حد سواء.

ليس من المتوقع ان تسير الأمور بيسر وسهولة ونحن ندرك أنه توجد على الساحة العراقية فئات ومنظمات واتجاهات ما تزال ترفض العملية السياسية برمتها، ونعرف ايضا ان التيارات التي تحكم المرحلة الراهنة تنظر الى تلك الجماعات على أنها من ذيول النظام السابق على حد قولها، وهي تقرر سلفا عدم الحوار معها.

وقد أصبح التياران في مواجهة دامية لن تنتهي من دون أن يقضي احدهما على الآخر، وهذه مسألة تختلف تماما عن الخلاف مع السنة او من صاروا يعرفون »بالسنة العرب« كدلالة على مدى ونوعية التجذر الذي حدث في المجتمع العراقي، انها قضية صراع بين نظام منهار ونظام وليد.

من الضروري الفصل بين مطالب السنة التي نتجت عن مكتسبات ذات بعد شيعي واخر كردي وبين المقاومة بكل اشكالها والعناوين التي تندرج تحتها، ومن الأهمية بمكان معرفة الأبعاد الصحيحة لمشاركة السنة ولو بقول »لا« للدستور او بالاحرى الصيغة التي هو عليها الان، فذلك يعتبر عملا ايجابيا حتى لو كان من أجل ممارسة موقف سلبي.

وفي الواقع فان الجميع يعترفون بوجود صيغ توفيقية ربما اضعفت من رصانة الدستور وخلقت حوله تساؤلات وعلامات تعجب كثيرة، ولكن ذلك أفضل الف مرة من عدم الاتفاق بين الاطراف المختلفة وحدوث تنافر يؤدي الى تقسيم العراق، فاذا كان من الصعب تحقيق وحدة العراق فعلى الأقل اعادة تجميعه وهذاما يحدث بالفعل من وجهة نظر كثير من العراقيين والمحللين السياسيين.

وضع العراق معقد جدا، ولا مفر من أن تتقدم العملية السلمية لاقامة الدولة التي يصفها الدستور بأنها جمهورية برلمانية اتحادية ديمقراطية، ولن يتحقق ذلك من دون نظام امني صارم وقوي بحيث تشكل هذه الثنائية الموقف النهائي الذي يمكن بعده النظر في مستقبل القوات الاجنبية في العراق التي نفترض مغادرتها عندما تكتمل تلك العملية المصيرية، ولعل من عجائب الوضع في العراق ان يجد بعض السياسيين العراقيين في بقاء تل القوات أكبر فائدة من حيث أنها المانع الوحيد امام تغول بعض دول الجوار على العراق والتهام اجزاء منه تحت ذرائع كثيرة.

من هنا تظهر أهمية وضرورة مساندة العملية السياسية في العراق رغم كل الملاحظات والاحترازات المنطقية، ومن هنا ايضا يأتي الموقف الاردني الواضح والقوي الذي يدعم جميع الخطوات الرامية الى نجاح مساعي العراقيين لتثبيت الأمن والقانون والنظام، واعادة بناء المؤسسات وتحريك عجلة الحياة على طريق التنمية والتقدم والازدهار.