كل الافتراضات ترى أن الاستفتاء على الدستور العراقي، تجربة أولى وستصاحبها معارك مختلفة تحت ظل كل التناقضات في المجتمع العراقي، ولعل الرهان على نجاح مطلق، أو فشل ذريع استباق للنتائج، أي أن تمرير الدستور بصيغته الحالية قد يلقى تجاوباً من عدد كبير من العراقيين، والسبب ليس عدالته، أو إمكانات تطبيقه، وإنما لأن العراقيين ملوا جميع الحكومات الانقلابية والتي حوّلت الوطن إلى غابة وحوش وجنود مرتزقة لخوض الحروب، ودمار نفسي وأخلاقي للمجتمع، وهذا ما يبرر قبول الدستور حتى بعيوبه وثغراته..
المؤشرات تقول إن هناك مكاسب لبعض القوى، وخسائر لأخرى، لكن إذا افترضنا ان الدستور سيكون بداية لمرحلة جديدة لعراق مختلف عن عقوده الماضية، بحيث يتقاسم الجميع مسؤولية تأكيد وحدته وجني خيراته، فإنه قادر أن يحول مآسي السنين إلى نظام فعال، قابل للتماسك وخوض معركة البناء..
أما أن يتحول الدستور إلى قضية خلاف تفجر مختلف التيارات، وتعصف بوحدة العراق، فالخطر لا يقع على طائفة أو قومية دون أخرى إذا ما تحول النزاع من حالة داخلية إلى إقليمية، وهنا يصعب تدارك المواقف خاصة إذا ما أصبح التدخل الخارجي، تحالفاً مع عناصر وطنية..
العراق بلد مهم عربياً، وإقليمياً، أي ان استقراره في صالح إيران وتركيا والدول العربية الأخرى، ولعل المزاعم التي تعتقد بأن أدواراً ناشطة سوف تعزل العراق عن عروبته، هي جزء من حملة أخرى تعتقد أن الشيعة سوف يتحولون إلى إيران، والأكراد سيشكلون دولة مماثلة لإسرائيل، وهي شعارات قديمة زايد عليها الاشتراكيون والقوميون، وتتلمذ عليها جيل آخر من أصحاب التبعية السياسية التي تسببت في تدمير بنية العراق النفسية، والاقتصادية والفكرية..
دعونا ننظر إلى عراق متنوع الأعراق والمذاهب، ونقرّ بهذا الواقع، لكن بدوافع تغلق الفجوات بين تلك التنوعات، ولا تقطع الجسور مع أمته، ولا جيرانه، وترفع الأيدي الأخرى التي لا تخفي مطامعها منطلقة من انتهاز فرصة تشتت العراقيين وحاجتهم المادية والمعنوية، ومع كل هذه التطورات السلبية، فالعراق يملك طاقة هائلة من قوائم كثيرة من المؤهلين والارتفاع به من حالات التنازع إلى الحوار الجاد، والذي هو الطريق إلى تأكيد وحدة الوطن..
العرب خائفون شأن الأتراك، والإيرانيون يعتبرون مصلحتهم القومية أن يتشكل حلف طائفي بينهم وبين شيعة العراق، وكل هذه الأحداث ترتبط بحالة العراق الراهنة، لكن أن تستوعب القيادة والفاعلون الآخرون في الأحزاب والطوائف، والقوميات دروس خطورة تمزق العراق، والالتقاء على الدستور، فإن كل الأيدي الأخرى ستخرج من الجيب العراقي، وهذا فقط يعتمد على نجاح تلك القوى والتفكير بالعراق الوطن لا الطائفي أو القومي..