غزت ظاهرة التسول مجتمعنا بشكل كبير، وأعطت مظهراً غير حضاري وغير حقيقي عن المجتمع. والأسوأ من ذلك أن هذه الظاهرة أصبحت تسيء إلى أبناء البلد، لاسيما وان أكثر المتسولين يرتدون اللباس المحلي، فلا نستطيع تحديد هويتهم أو جنسيتهم.

ظاهرة التسول عندما تنتشر في مجتمعات أخرى، غير مجتمع الإمارات، فقد يكون لها مبرراتها وحججها عند المغلوبين على أمرهم والمنكوبين اجتماعيا، لكن مجتمع الإمارات مجتمع متكافل ويمثل نموذجاً للتكامل الاجتماعي وإحساس الفرد الميسور الحال بواجبه نحو الفرد المحتاج، والجمعيات الخيرية لا تألو جهداً في مساعدة المحتاجين ومع ذلك نُفاجأ بوجود المتسولين الذين اعتبروا «التسول» مهنة مربحة، فصوّروا بجشعهم طغيان المادة واضمحلال القيم الروحية والإنسانية لديننا الحنيف.

هذه الظاهرة، إن تركت على ما هي عليه ستجر آثاراً سلبية على الأفراد والمجتمع، فهي تعكس أولاً مظاهر غير حقيقية عن البلد ووضعه الاجتماعي والاقتصادي، وتصور تقصير الجهات المعنية في الدولة عن دعم مواطنيها والمقيمين فيها وهو الأمر الذي ليس له أساس من الصحة.

كما أن انتشار الظاهرة على أيدي نساء أو رجال يحترفون التسول ويرتدون ما يمثل هوية وثقافة مجتمعنا شأنه تشويه صورة أبناء الدولة، وشأنه فتح الأبواب على مصراعيها لمشكلات أكبر تتجاوز التسول إلى قضايا أخلاقية وأمنية. كما أن تعاون المحسنين مع هذه الفئات المحتالة يضيع الفرصة على المحتاجين الحقيقيين ويفقد الثقة في كل طالب للاحسان.

في يوليو الماضي، قررت مدينة دادليان الساحلية شمال شرقي الصين، منع المتسولين من الاستجداء أمام بعض الأماكن كمباني الحزب والدولة والمواقع السياحية. فظاهرة التسول التي اعتبرت جديدة على المجتمع الصيني أثارت قلق الجهات الحكومية باعتبارها أحد إفرازات اتساع الهوة بين الأقاليم الفقيرة والغنية، وما يترتب على ذلك من هجرة ملايين الفلاحين من القرى إلى المدن للقيام بهذه المهنة واحترافها.

فإذا كانت الصين بتعداد سكانها المهول قد خشيت على مجتمعها من تفشي هذه الظاهرة ومن هجرة أهالي القرى إلى المدن، فما الذي يجب أن تقوم به مجتمعاتنا الصغيرة لتتخلص من متسولين عابثين لا يديرون بالاً لسمعة البلد ولا لأمنه واستقراره؟ هل الحل يكمن في مطاردة المتسولين والذي أصبح صعبا في ضوء تنكرهم بهيئة أهل البلد؟ أم أن الحل في دراسة كل حالة على حدة بعد ضبطها ومعرفة الأسباب التي دفعتهم لذلك والأشخاص الذين يقفون وراءهم؟

إن هذه الظاهرة مرفوضة، والدين الإسلامي، والمبادئ الاجتماعية والحضارية تحذر طلب لقمة العيش بالركون إلى التسول، ويقول أحد العلماء (لا يليق بالرجل القادر أن يرضى لنفسه ان يكون حملاً على كاهل المجتمع، ثقيلاً مرذولاً وان يقعد فارغا من غير شغل أو أن يشتغل بما لا يعنيه) وقد قال عمر رضي الله عنه ـ إني أرى الرجل فيعجبني شكله فإذا سألت عنه فقيل لي: لا عمل له، سقط من عيني).

لذا فإن محاربة التسول والحد منه في مجتمعنا لابد وان تبدأ بمبادراتنا كأفراد من خلال التبليغ عن مناطق تجمعات المتسولين، ورفض التعاطف معهم وصدهم. فإن لم يكن ذلك من اجل الحفاظ على أموالنا وصرفها على من يستحقها فعلا، فعلى الأقل من اجل الحفاظ على سمعة وطننا وأمنه الذي أصبح عرضة للعبث من قبلهم.

maysaghadeer@yahoo.com