منذ عقدين من الزمان تقريباً تحقق الصين أعلى معدل للنمو الاقتصادي السنوي عرفه التاريخ: 13 في المئة على الحد الأقصى و9 في المئة على الحد الأدنى، علماً بأن المعدل الأميركي يتراوح بين 5 و6 في المئة، وإذا سألت الأكاديميين العرب عن السر، تأتيك إجابة تقليدية: ارتفاع معدل إنتاجية الفرد في الصين.

إنها إجابة ناقصة، لأنها تنطوي على سؤال إضافي: لماذا ترتفع إنتاجية الفرد الصيني بالمقارنة مع شعوب الأرض الأخرى، بما فيها الشعوب العربية.الإجابة الأساسية الجذرية هي التخطيط الاقتصادي المركزي وما يعتمد عليه هذا التخطيط المركزي من برمجة للتعليم العالي.

ما بين الثورة الصينية بقيادة الحزب الشيوعي وماوتسي تونغ في عام 1949 والثورة المصرية بزعامة جمال عبدالناصر في عام 1952 ثلاث سنوات فقط.حينئذٍ كان متوسط دخل الفرد في الصين أقل من نظيره في مصر. والآن انظر إلى الفارق الأسطوري في المستوى المعيشي بين الأسرة الصينية والأسرة المصرية في المتوسط، علماً بأن متوسط دخل الفرد في الصين مرشح للحاق بنظيره الأميركي بحلول عام 2015.

التعليم العالي بشقيه الدراسي والبحث في الصين هو سر نجاح البرمجة الاقتصادية المحكومة بتخطيط شامل على المستوى المركزي للدولة.بدأ تنفيذ ثورة التعليم العالي قبيل منتصف سبعينات القرن الماضي في أواخر عهد ماو ورفيقه شو إن لاي.كانت بداية متواضعة إلى أن جاء عهد دينغ هسياو بنغ في النصف الثاني من السبعينات فتسارع إيقاع إنشاء جامعات ومعاهد من طراز جديد لتخريج أجيال تلو أجيال من الكوادر على أساس النوعية لا الكم.

وبموجب الخطة المتجددة كان التوسع النوعي ولا يزال لصالح الكليات التكنولوجية كالهندسة بفروعها على حساب الإنسانيات كالتاريخ والاجتماع. وتفيد إحصائية لمجلة «الاكونومست» اللندنية أن الغالبية العظمى لدرجات الدكتوراه في الصين ما بين عام 1992 وعام 2003 كانت في العلوم التكنولوجية العملية: الهندسية بنسبة 38 في المئة والعلوم الطبيعية وأبرزها الرياضيات بنسبة 22 في المئة والطب بنسبة 15 في المئة.

وما كان لهذا النهج أن يطبق بصورة منتظمة ومستديمة لولا سيطرة الدولة مركزياً على التعليم لكي يكون في خدمة خطط التنمية الاقتصادية التي توضع أيضاً على المستوى المركزي على أساس أولويات معينة ومحددة.لهذا لا تعرف الصين ظاهرة البطالة المتنامية بين خريجي التعليم العالي كما هو الحال في بلدان العالم الثالث. فالتعليم العالي في الصين ينظر إليه كأداة لترقية الاقتصاد الوطني لا كامتياز ترفي للأفراد.

فهل تستطيع الدول العربية الاستفادة من هذه التجربة الفريدة؟ نعم.. يوجد في بلدان العالم العربي عموماً تعليم عالٍ ذو نوعية.. لكنه ليس متاحاً للنابغين بقدر ما هو متاح لمن يملكون المقدرة المالية. ثم إن الأنظمة التعليمية لا تربطها علاقة مع البرمجة الاقتصادية المخططة.. إذا كانت هناك برمجة اقتصادية أصلاً.