حكم بعض القادة العراقيين بالفشل على زيارة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى قبل أن تبدأ، حيث تباروا في وضع الشروط التعجيزية لإنجاح مهمته التي تأتي ضمن استراتيجية عربية لدعم العراق للخروج من الأوضاع الصعبة التي يمر بها ولا تخفى على أحد.

تأخر الحضور العربي على الساحة العراقية، وهذه حقيقة لا شك فيها، وان كان لأسباب عديدة، غير أن التحرك متأخرا خير من استمرار حالة التجاهل، التي اشتكى منها الأشقاء العراقيون أنفسهم، في أكثر من مناسبة، فلماذا إذن وضع العراقيل والشروط على مهمة يراد منها مد يد العون والمساعدة؟!

العراق في ظل انعدام الأمن والمخاوف التي أبدتها أطراف عديدة سواء داخل العراق أو خارجه (عربيا ودوليا) من خطر الحرب الأهلية والتفتت والانقسام، يحتاج إلى جهود جبارة من الجميع لتجاوز المحنة التي جاءت مع الغزو الاميركي البريطاني، ولا تزال مستمرة في شكل تفجيرات مجنونة يقع ضحيتها الأبرياء من الناس وهؤلاء في أمس الحاجة إلى المساعي المخلصة التي تتخطى حاجز المناورات السياسية، صونا لدمائهم وأرواحهم.

يطالب بعض القادة العراقيين عمرو موسى بإدانة واضحة للإرهاب، وقد فعلها الرجل وفعلتها أيضا أغلب العواصم العربية، التي ترى في النيران المشتعلة في العراق خطرا على المنطقة بأسرها وليس على العراقيين وحدهم، واختار العرب إيفاد أمين عام جامعتهم إلى بغداد للتأكيد على تضامنهم مع الأشقاء، فهل تستحق الخطوة العربية مثل هذا التشدد في الطرح والغلظة في اللفظ ؟

طرحت الجامعة العربية فكرة عقد مؤتمر للمصالحة وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء بشأن المستقبل، فقابلها البعض بالرفض الحاسم والقاطع، من دون الانتظار للاستماع إلى الطرف صاحب المبادرة التي ربما تكون أحد مفاتيح الخروج من المأزق الراهن الذي دعا الأميركيين (قوة الاحتلال) إلى التوسط بين هذا الطرف العراقي وذاك، فهل أجرم العرب لعرض وساطتهم؟

المراقب لما يدور على الأرض العراقية، ربما يعتقد أن دخول الجامعة العربية إلى الساحة، بعد غياب طويل، سيكون بمثابة قوة دفع إلى الأمام، وأنها ستجد ترحيبا أفضل، وحماسا اكبر مما قوبلت به الزيارة المرتقبة لامين عام الجامعة، غير أن تشنج البعض وعصبية البعض الآخر من داخل الحكومة العراقية وخارجها، أحبط تلك الآمال، وألقى بظلال رمادية على مهمته قبل أن تبدأ.

كنا نتوقع أن يتريث البعض، وان يلتقوا الأمين العام للجامعة العربية أولا ثم يحكمون على مهمته، والوقوف على ما تحمله من تفاصيل، قبل أن يضعوا الشروط المسبقة، وكأن الجامعة العربية هي من يحتل العراق أو من يقف وراء التفجيرات الإرهابية؟

الغياب العربي عما يجري في العراق ليس في مصلحة أحد، والحضور وإن لم يكن على قدر الطموحات، إلا أنه أفضل من تجاهل ما يدور في بلد كان وسيظل ـ رغم الظروف الحالية ـ ركيزة مهمة في الجسد العربي بجناحيه الجغرافي والتاريخي، ويخطئ من يظن أن المحنة الآنية مهما طالت يمكن أن تسلخ الجلد عن لحمه الطبيعي.