أعلن صندوق الأمم المتحدة في تقريره المتعلق بالسكان ان المساواة بين الرجل والمرأة «تحد من الفقر وتنقذ وتحسن حياة الافراد» وان الجهود المبذولة للحد من الفقر ستبوء بالفشل اذا لم يتحرك قادة العالم لإنهاء كل اشكال التمييز بين الرجل والمرأة» وان التركيز على النساء والشباب، الفئة الأكبر من سكان العالم سيسرع وتيرة التنمية على المدى الطويل، والإخفاق في تحقيق ذلك سيزيد من فقر الأجيال القادمة.
هذا الإعلان لم يأت من عبث ولم يصدر من النساء أو من مناصري حقوق المرأة في العالم، بل أتى نتيجة دراسات اجتماعية وتنموية على مدى ستين عاما قضتها الجهات المهتمة في الأمم المتحدة منذ صدور ميثاقها الذي يدعو إلى المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة.
ولا تغيب عنا الجهود المبذولة في هذا الشأن للبرامج الانمائية التي تقوم بها الدول المتقدمة والتي أدركت منذ زمن طويل ان التنمية الحقيقية لن تقوم على التفرقة بين الجنسين في الحقوق والواجبات وان الجميع متساوون امام القانون وان الطرفين متساويان في الأدوار التي يلعبانها في الحياة الاجتماعية وفي الأعمال وفي الحقوق السياسية، وهذا ما يميز تلك الدول عن الدول العربية التي ستبقى دولا يطلق عليها نامية او في طور النمو طيلة حياتها.
فالتمييز في الدول العربية ليس فقط بين الجنسين الرجل والمرأة، بل يتجسد في كل اشكال التمييز. وربما يرى البعض ان فاقد الشيء لا يعطيه، بمعنى ان الرجل فاقد لدوره الحقيقي في المجتمع المتمثل في مساهمته الفعلية في التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وبالتالي لن يستطيع ان يمنح المرأة حقوقها بل سيتمادى في اضطهادها لكونها تقع ضمن دائرة سلطته في البيت وفي الأسرة،
وهذا ما يفسر الاستغلال النفسي والجسدي الذي تتعرض له المرأة في اغلب المجتمعات العربية.بالتأكيد إن مشاركة المرأة في الدول العربية والخليجية أصبحت واضحة في غالبية الاعمال وانها لم تعد محصورة في تخصصات معينة كما كانت عليه سابقا كالتدريس والتمريض،
ولكنها تبقى مشاركة عددية فقط فهناك علاقة عكسية بين عدد النساء ومستوى السلطة القيادية، أي انه يتناقص عدد الكوادر من النساء كلما ارتفع مستوى السلطة، وتكاد تكون معدومة في الهيئات القيادية العليا، وهذا ما يؤكده صندوق الأمم المتحدة الانمائي للمرأة «يونيفيم».
وبالرغم من ان المرأة العربية في الماضي كانت فاعلة ومؤثرة وان حكمتها عادات وتقاليد قبل الإسلام وبعده كما حكمت ولا تزال تحكم تلك التقاليد الرجل أيضا، فالنظام القيمي في كل مجتمع يخضع افراده لحلقات متفاوتة من سلاسل سطوته المتمثلة في الأعراف والعادات والتقاليد الموروثة والتي تستعصي على رياح التغيير أحيانا فتبقى مكبوتة في أعماق الفرد رجلا كان أم امرأة،
فبعض القيم تتوارى ولكن لا تختفي بل تظهر كلما استنطقها موقف معين، فنظرة المجتمع للمرأة كونها «حرم الرجل» تطغى على كونها كياناً مستقلا له حقوق وعليه واجبات تجاه المجتمع ككل، وليس في حصرها في أدوار الأمومة والزوجية، أو ادوار اقل مكانة وهي ادوار الإثارة الحسية في أجهزة الإعلام.