منذ الانسحاب الإسرائيلي منه بات قطاع غزة بمثابة حقل اختبار للعلاقات السياسية الفلسطينية، يتم فيه التأكد من صلاحية النظام الفلسطيني ومدى أهليته وشرعيته، في إدارة المجتمع والاقتصاد والسياسة، وضمان الاستقرار والسلم الأهليين؛ على المستوى الداخلي على الأقل.

لكن الفوضى التي عمّت هذا القطاع في الأسابيع القليلة الماضية، لم تبشّر بالخير، إذ أنها كشفت عن هشاشة المجتمع ووهن السلطة الفلسطينيين، كما كشفت عن تخلف العلاقات السياسية السائدة في النظام السياسي، الذي يفتقد علاقات المأسسة والمشاركة والديمقراطية والاحتكام للغة الحوار واحترام مصالح الشعب ومعاناته وتضحياته.

هكذا فإن المنازعات المؤسفة التي شهدها قطاع غزة، في هذه المرحلة، بيّنت وبشكل فجّ مدى تخلف السياسة الفلسطينية، في الخطابات والعلاقات والبنى، وتفشي العنف والإكراه والفوضى فيها، وغياب سياسات الإجماع الوطني، لصالح السلطات والمصالح الفصائلية الضيقة.

والأنكى أن هذه المنازعات تكشّفت عن ضعف قدرة الفلسطينيين على توظيف اللحظات السياسية التاريخية لصالحهم، واستثمار التناقضات في صفوف عدوهم. فبدلا من الاشتغال على توسيع الشروخ في صفوف الإسرائيليين، على خلفية الانسحاب من قطاع غزة، توسعت الشروخ في صفوف الفلسطينيين، لاسيما بين السلطة وحزبها فتح وبين المعارضة ممثلة بحركة حماس.

وبدلا من تعميق أزمة الانسحاب لدى الجانب الإسرائيلي انتقلت هذه الأزمة إلى الجانب الفلسطيني! الآن لا جدال على أن السلطة تتحمل مسؤولية في وصول الساحة الفلسطينية إلى حال الانفلات والفوضى وتعدد مراكز القرار، بسبب تغييب المؤسسات الشرعية، وإضعاف علاقات المشاركة والقيادة الجماعية، وفوضى السلاح وتضخم الأجهزة الأمنية وعلاقات الفساد والمحسوبية، السائدة فيها.

ولا جدال أن السلطة ساهمت في تسهيل تشكّل نوع من ازدواجية السلطة، وشجعت الآخرين على وضع «فيتو» على توجهاتها، بسبب ضعف تحكمها بمسارات الانتفاضة وشعاراتها وأشكال عملها ما أدى إلى فقدانها السيطرة. والثابت أن السلطة بالذات (لاسيما في ظل قيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات) استدرجت لمربع المزايدات السياسية، وحتى أنها تبنّت نمط العمليات التفجيرية (الاستشهادية)،

ولو بشكل غير مباشر (كتائب الأقصى التابعة لفتح)، بدل أن تستقطب القوى الأخرى لصالح نهج تركيز المقاومة (بكل أشكالها) ضد الوجود الاحتلالي الإسرائيلي العسكري والاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويبدو أن هذه الأمور حصلت بحكم تضارب الأهواء في صفوف قيادة السلطة وفتح، وبسبب متطلبات التنافس مع حماس!

في هذا الإطار، أيضا، لاشك أن حماس بدورها تتحمل مسؤولية مباشرة عن توتر الأوضاع، كونها بادرت إلى التفرد بخرق التهدئة الحاصلة، وهي تهدئة من طرف واحد، كما هو معلوم، لم تتم بالتوافق مع الطرف الإسرائيلي، وإنما تمت لترتيب الوضع الفلسطيني ولتمكين الشعب الفلسطيني من التقاط أنفاسه واستعادة قواه، ولتمرير استحقاق الانسحاب الإسرائيلي الأحادي (أيضا) من قطاع غزة.

لذلك فإن دعوى حماس بأن موافقتها على الهدنة كانت مشروطة هي غير مقنعة ولا منطقية. والواقع أن إسرائيل غير معنية البتّة بالتوافق الفلسطيني، وحكومة شارون ستظل معنية بتوتير الأوضاع الفلسطينية لتبرير خطتها أمام معارضيها المتطرفين، وهي اعتادت استدراج الفلسطينيين إلى المواجهات المسلحة لاستنزاف قواهم وإنهاكهم وإدخالهم في معارك وتحديات ومواجهات فوق طاقتهم.

اللافت أن حماس في تبريرها لمواقفها، إن بشأن خرق التهدئة أو بشأن تصعيد المواجهات مع السلطة، روجت ادعاءات في غير محلها، ضمنها مثلا أنها تدافع عن الشعب الفلسطيني، وهو شيء مبرر ومشروع طبعا، ولكن العمليات في مناطق 48 وقصف الصواريخ هما من أعمال الهجوم، كما هو معروف. كذلك ادعت أنها تدافع عن الحق في المقاومة، وكأنها بذلك تتهم السلطة بالتشكيك في مشروعية المقاومة ضد الاحتلال، لكأنها وحدها تحتكر مشهد المقاومة،

في حين أن حركة فتح (وهي قيادة السلطة) احتلت مساحة كبيرة وبارزة من مشاهد المقاومة، في المرحلة الماضية. والواقع أن حركة حماس قامت بخرق التهدئة انطلاقا من تعريفها لأولوياتها وحاجاتها، فهذه الحركة لا تعتبر نفسها معنية بأية تسوية، وهي ليست معنية طبعا بالتسهيل على السلطة الفلسطينية.

وأساسا فإن حماس تعمل من خارج النظام الفلسطيني ومن خارج برنامج الإجماع الوطني المتفق عليه (دولة في الضفة والقطاع). ويمكن القول أنه من المشروع لحماس أن يكون لها رؤاها وبرنامجها، ولكن على أن لا تجعل من نفسها وصية على الشعب الفلسطيني أو أن تأخذ الشعب الفلسطيني إلى حيث تريد هي وحدها، من خارج الإجماع، وبغض النظر عن قدرات هذا الشعب وحاجاته كما هو حاصل.

الآن ليس المطلوب تحميل المسؤولية عما حصل على عاتق هذا الطرف أو ذاك، وإنما المطلوب صياغة وعي جماعي بأهمية ترشيد السياسة في الساحة الفلسطينية وإعادة بناء النظام السياسي فيها، ووضع حد لسياسة الاحتكار والإكراه السياسي وعقلية الوصاية على المجتمع والقضية، من هذا الطرف أو ذاك، وإيجاد البنى والمؤسسات والعلاقات والتشريعات التي تنظم الخلافات وتقوننها في إطار التعددية السياسية والعلاقات الديمقراطية والقبول بالآخر،

ما يساعد على تحديد الحاجات وتعريف الأولويات ورسم سياسات الإجماع بصورة صحيحة تأخذ في الاعتبار المصلحة الوطنية العليا، لا مصالح هذا الفصيل أو ذاك. أما بالنسبة لحماس فمطلوب منها، كي يتاح لها التعبير بشكل أفضل عن التيار السياسي الذي تمثله في الساحة الفلسطينية، وكي تؤكد ذاتها كحركة وطنية مرتبطة بأجندة الساحة التي تعمل بها:

أولا،إيجاد مقاربة سياسية لبرنامج الإجماع الوطني، الذي يتأسس على تسوية مرحلية ترتكز على قيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع.

ثانيا، الانخراط في النظام السياسي الفلسطيني، في مؤسسات منظمة التحرير وفي المجلس التشريعي (عبر المشاركة في الانتخابات المقبلة).

ثالثا، مراجعة أشكال عملها ضد إسرائيل، واعتماد الأشكال التي لا تسهل على إسرائيل البطش بالفلسطينيين، والتي تعزز شرعية المقاومة، وتظهر إسرائيل على حقيقتها كدولة استعمارية عنصرية، تمارس الإرهاب ضد الشعب الفلسطيني (الضحية)، الذي يكافح من أجل حقوقه العادلة بوسائل عادلة.

رابعا، مراجعة موقفها من السلطة، وعدم التعامل معها باعتبارها فصيلاً آخر، وإنما بتعزيز وضع السلطة بوصفها مرحلة على طريق بناء الكيان الفلسطيني، فثمة فرق بين التعددية السياسية في النظام وبين وحدانية القرار أو وحدانية السلطة.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن حركة حماس يجب أن تكون معنية بالحفاظ على رصيدها وعدم التفريط به، إن في زج الشعب الفلسطيني في أتون صراع لا يستطيع تحمل تبعاته، بعد هذه المرحلة من الاستنزاف، أو في مراهنات قد تبدو عقيمة أو لا أفق سياسي لها، في ظل المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة.

هكذا فإن المطلوب من الجميع وضع حد لهذه الفوضى المدمرة، عبر التحلي بالحكمة وإعادة صياغة الوضع الفلسطيني على قاعدة تعزيز الوحدة واحترام التعددية والرأي الآخر والاحتكام للقانون والمؤسسات الشرعية، لأن كل ذلك هو شرط للحفاظ على الإنجازات الوطنية المتحقّقة ومن ضمنها الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

كاتب فلسطيني